يهبّ رمضان على السودان لا كضيفٍ عابر، بل كقريبٍ طال غيابه ثم عاد يحمل رائحة الطمي، وصوت الأذان الخارج من صدور المآذن العتيقة، ودفءَ البيوت المفتوحة بلا أقفال في وجه الجوع والوحدة. في السودان، لا يُستقبل الشهر بالزينة وحدها، بل تُستقبل به الروح، كأن البلاد كلها تدخل في هدنة مع القسوة، وتوقّع عقدًا غير مكتوب مع الكرم.
أولُ رمضان بعد سنين طويلة من الاغتراب ليس مجرد عودة جغرافية؛ إنه عودة الذاكرة إلى أصلها. المغترب الذي اعتاد الإفطار على طاولة صامتة في مدينة بعيدة، أو أمام نافذة لا تعرف صوت المؤذن، يفاجئه في السودان أن الإفطار شأنٌ جماعيّ. هنا لا يُسأل الصائم من أين أتى، ولا إلى أين يمضي؛ يكفي أن يمرّ وقت الأذان ليُسحب إلى المائدة كما يُسحب الغريق إلى النجاة. الشارع نفسه يتحوّل إلى مائدة ممتدة، حيث تتجاور الأطباق وتتقاطع الأيدي بلا حساب للانتماء أو المعرفة.
في الأحياء الشعبية، وقبيل المغرب بقليل، تتبدّل هندسة الزمن. النساء يعجنّ الذاكرة مع العجين، والرجال يمدّون الحصر على الإسفلت، والأطفال يركضون كرسلٍ صغار بين البيوت، يحملون صحونًا لا تُعاد كما خرجت. العصيدة، وملاح التقلية، وشراب الحلو مُرّ ليست أطعمة فحسب؛ إنها مفردات هوية. لكل بيت لمسته، ولكل يد نكهتها، لكن الروح واحدة: أن لا يفطر أحد وحده.
الكرم السوداني في رمضان ليس ترفًا أخلاقيًا، بل بنية اجتماعية راسخة. مائدة الإفطار في الشارع إعلان صريح بأن الجوع شأنٌ عام، وأن الشبع لا يكتمل إلا حين يتوزّع. الغريب يُؤخذ باسمه الأول حتى قبل أن يُسأل عن اسمه. والمغترب العائد يجد نفسه محاطًا بأسئلة ليست عن الغربة، بل عن صحته، وعن هل أكل بما يكفي، وعن لماذا لا يأخذ المزيد. في هذه التفاصيل الصغيرة تُستعاد إنسانيةٌ كانت الغربة قد رقّقتها حتى الشفافية.
ليالي رمضان في السودان ليست امتدادًا للنهار، بل عالمٌ آخر. المساجد تمتلئ بأصوات تتفاوت في المقامات وتتوحد في الرجاء. في المدن الكبرى مثل الخرطوم وأم درمان وبحري، تتداخل أصوات التراويح مع ضحكات السمر، ومع حكايات تُروى على ضوء مصابيح شحيحة. وفي الأقاليم، يحتفظ رمضان بإيقاعه الأبطأ، حيث يعرف الناس بعضهم بأسمائهم وملامح موائدهم، وتُقاس الليالي بطول الدعاء لا بطول السهر.
أما العائد من الغربة، فيكتشف فجأة أن الوطن لم يكن مكانًا فقط، بل نظام إحساس كامل. يعود ليجد أن الزمن في رمضان يُدار بالقلوب لا بالساعات: دقيقة قبل الأذان أطول من ساعة في الغربة، ولحظة الدعاء بعد الإفطار أوسع من مدينة. تتقاطع في صدره مشاعر الامتنان والحزن؛ امتنان للعودة إلى هذا السخاء البسيط، وحزن على السنوات التي أفطر فيها وحيدًا، يحاور شاشة أو ساعة حائط.
رمضان في السودان ليس موسم عبادة منفصلة عن الحياة، بل موسم استعادة للحياة نفسها. فيه تُرقّ الطباع، وتُخفّف الخصومات، وتُرمّم العلاقات كما تُرمّم البيوت قبل قدوم الضيف الكبير. وحين يرفع المؤذن صوته، لا يُعلن نهاية الصوم فقط؛ بل يُعلن بداية المشاركة: مشاركة الخبز، والمكان، والوقت، والرجاء.
هكذا يعود المغترب إلى وطنه في رمضان، فيكتشف أن البلاد لم تنتظره لتكتمل، لكنها حين احتوته اكتمل هو. ويخرج من أول إفطار وهو يعلم أن الغربة ليست بُعد المكان، بل غياب هذا الدفء الجماعي الذي لا يُشترى ولا يُستعار. في السودان، رمضان ليس شهرًا في التقويم؛ إنه قلبٌ جماعيّ ينبض بالناس.
