Boushsd news Boushsd news
recent

آخر الأخبار

recent
recent
جاري التحميل ...

حمدي ميرغني يكتب: رمضان.. حين تتحول البيوت إلى مدارس للإنسان

 


في كل عام يهلّ رمضان، حاملاً معه فرصة نادرة لا تتكرر إلا ثلاثين يوماً في السنة؛ فرصة لا تتعلق فقط بتغيير عادات الطعام، أو إعادة ترتيب ساعات اليوم، بل بفتح بابٍ واسعٍ لإعادة تشكيل الإنسان من الداخل. غير أن الخسارة التربوية الكبرى لا تحدث حين نفوّت هذه الفرصة فحسب، بل حين نسيء تقديمها لأبنائنا حتى ترتبط في ذاكرتهم بالتوتر والضيق، لا بالسكينة والنور.


فليس أخطر على الوعي الطفولي من أن يرى الأبناء آباءهم صائمين ببطونٍ خاوية وصدورٍ ضيقة، وكلماتٍ قاسية، وتعاملٍ يغلّفه التوتر. عندها يتحول الشهر الذي جاء ليهذب النفس إلى عبءٍ نفسيٍ ثقيل، وتتحول العبادة في وجدان الطفل إلى حالةٍ من الجفاف العاطفي بدلاً من أن تكون منبعاً للطمأنينة.


إن رمضان في حقيقته ليس موسماً لضبط السعرات الحرارية بقدر ما هو موسم لضبط الإيقاع النفسي للأسرة. إنه مدرسة مكثفة تمتد ثلاثين يوماً، تُدرّس فيها الأخلاق بالصورة العملية، لا بالمواعظ النظرية. ولذلك فإن البيوت التي تفهم فلسفة هذا الشهر تدرك أنها أمام ما يمكن تسميته بـ«أكاديمية الثلاثين يوماً»؛ حيث تتشكل العادات، وتُصاغ المشاعر، ويولد داخل الأسرة إنسانٌ أكثر رقياً وهدوءاً ورحمة.


في هذه الأكاديمية التربوية، يبدأ الدرس الأول من اللسان. فالصائم لا يصوم عن الطعام وحده، بل يصوم عن التقريع أيضاً. والكلمة الجارحة حين تخرج من صائم، لا تصيب قلب الطفل كما تصيبه في الأيام العادية فحسب، بل تترك في نفسه سؤالاً صامتاً: كيف يجتمع الصيام مع القسوة؟.


لهذا يصبح رمضان فرصة نادرة ليتعلم الأبناء أن الصوم ليس جوعاً فحسب، بل هو تهذيبٌ للغة، وتلطيفٌ للنبرة، وارتفاعٌ عن الانفعال. فالكلمة الطيبة التي يسمعها الطفل من والده أو والدته في هذا الشهر قد تبقى في ذاكرته طويلاً، لأنها ارتبطت في وجدانه بأجواء العبادة والسكينة.


أما الدرس الثاني فيتجلى حول المائدة. فالإفطار والسحور ليسا مجرد محطتين غذائيتين في يوم الصائم، بل هما لحظتان إنسانيتان نادرتان تجتمع فيهما الأسرة على طاولة واحدة في زمنٍ باتت فيه اللقاءات العائلية شحيحة.


هذه اللحظات يمكن أن تتحول إلى مرفأ حنان حقيقي، أو إلى ساحة توتر جديدة. فحين تُستبدل الضحكات بالملاحظات القاسية، ويُستبدل الدعاء بمراجعة الأخطاء الدراسية، تضيع روح الشهر وتفقد المائدة رسالتها الإنسانية. أما حين تُملأ تلك اللحظات بالأنس، والحديث الهادئ، وقصص الأمل، فإنها تتحول إلى ذاكرة دافئة تبقى في قلوب الأبناء طويلاً.


ويأتي الدرس الثالث من خلال العبادة نفسها. فالأبناء لا يتعلمون التدين من الأوامر بقدر ما يتعلمونه من المشهد. حين يرى الطفل والده يقرأ القرآن بخشوع، أو أمه تدعو بصدق، فإنه يلتقط تلك الصورة قبل أن يسمع أي نصيحة.

فالعبادة حين تُقدَّم بروح المشاركة والمحبة تصبح جاذبة، أما حين تُفرض بالإكراه فتتحول إلى واجب ثقيل. وفي التربية دائماً يسبق «الحال» «المقال»، لأن السلوك الصادق أكثر تأثيراً من ألف كلمة.


أما الدرس الأعمق في رمضان فهو درس الإيثار. فالشهر الذي يذكر الإنسان بالجوع، يفتح في الوقت نفسه نافذة على آلام الآخرين. وهنا يمكن للأسرة أن تقدم لأبنائها أعظم الدروس العملية: أن لذة العطاء تفوق لذة الأخذ.

حين يشارك الطفل في إعداد وجبة تُرسل لجار محتاج او إطعام عابر سبيل ، أو في اختيار صدقة لمسكين، فإنه لا يتعلم الكرم نظرياً، بل يذوق طعمه بنفسه. ومن يذق حلاوة الجبر مرة، سيكبر وهو يحمل في قلبه ميلاً دائماً لنجدة الآخرين.


إن التربية في رمضان لا تحتاج إلى برامج معقدة بقدر ما تحتاج إلى وعيٍ بسيط: أن هذا الشهر ليس موسماً للإنهاك العصبي داخل البيوت، بل فرصة لإعادة ترتيب الروح. فالطفل الذي يعيش رمضان في بيتٍ تغلب عليه البشاشة والسكينة، سيحمل صورة مختلفة تماماً عن الدين، صورةً ترى في العبادة طريقاً إلى الصفاء، لا سبباً للتوتر.


ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن يقدمه الآباء لأبنائهم في هذا الشهر ليس الطعام الفاخر، ولا البرامج الكثيرة، بل أن يجعلوا بيوتهم واحاتٍ من البشر والسرور. أن تفوق رائحة الرحمة في البيت رائحة الطعام، وأن يشعر الأبناء أن رمضان جاء ليخفف عن قلوبهم، لا ليزيدها ثقلاً.


حينها فقط يتحقق المعنى الحقيقي للشهر الكريم: أن يخرج من بيوتنا، بعد ثلاثين يوماً، إنسانٌ أكثر رقةً في خلقه، وأصفى في نفسه، وأقرب إلى جوهر الدين الذي يقوم على سمو الأخلاق ونقاء الروح.

عن الكاتب

Boush sd

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

Boushsd news