أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
بقلم: دكتور مزمل سليمان حمد
الطيبُ الذي جمع القلوب قبل أن تفرّقها البنادق: سيرةُ قاضٍ ربّاني وزعيمٍ وطنيٍ سابقٍ لزمن الفتنة
في لحظاتٍ فارقة من تاريخ السودان، حين كانت البلاد تمضي على حافة الانقسام، برزت شخصياتٌ استثنائية لم تكن مجرد شهودٍ على الأحداث، بل كانت محاولاتٍ حيّة لردم الهوة بين المتباعدين. ومن بين هؤلاء، يتقدّم اسم الطيب الجد بوصفه واحدًا من أولئك الذين جمعوا بين نور العلم، وهيبة القضاء، وصدق الزعامة الروحية، فصار نموذجًا نادرًا للرجل الذي يسبق زمانه رؤيةً، ويعلو على صخب اللحظة حكمةً.
لم يكن الطيب الجد رجلًا عاديًا في سياقٍ عادي، بل كان امتدادًا حيًا لسلسلةٍ تاريخية من العلماء والصلحاء الذين صاغوا وجدان السودان الديني والاجتماعي عبر قرون. نشأ في بيئةٍ علميةٍ صوفيةٍ عريقة في “أم ضوّاً بان”، تلك البقعة التي لم تكن مجرد مكان، بل كانت مدرسةً مفتوحةً للقرآن، ومصنعًا للعلماء، ومأوى للغرباء، ومنارةً يتقاطر إليها طلاب العلم من أرجاء إفريقيا. هناك، تشكّلت شخصيته على مزيجٍ فريد من الفقه المالكي، والتصوف السني المعتدل، والتربية الروحية العميقة.
جمع الرجل بين سِمتين قلّ أن تجتمعا بهذا الاتزان: صرامة القاضي، ورقّة الشيخ. فقد بلغ مرتبة رفيعة في القضاء حتى صار قاضيًا بالمحكمة العليا، حيث عُرف بدقته، وعدله، وورعه في تنزيل الأحكام. ثم انتقل إلى مقام الخلافة الصوفية، فملأه علمًا وسلوكًا، حتى صار “واسطة العقد” بين أهل الطريق، ومرجعًا في الإصلاح الاجتماعي، وملاذًا للمتخاصمين.
لكن القيمة الكبرى في سيرة الطيب الجد لا تكمن فقط في مناصبه، بل في أثره. فقد كان مسيده مقصدًا للصلح، لا يُردّ فيه صاحب حاجة، ولا يُهمل فيه صوت مظلوم. كان يمارس ما يسميه العلماء “وقف الجاه”، فيسخّر مكانته ونفوذه لخدمة الناس، يكتب التوصيات، ويتابع القضايا، ويشفع شفاعة حسنة لا يبتغي منها جزاءً ولا شكورًا. لم يكن ذلك سلوكًا طارئًا، بل كان امتدادًا لمنهجٍ تربوي عميق يرى أن خدمة الخلق طريقٌ إلى الحق.
وعلى المستوى الوطني، لم يتأخر الطيب الجد عن أداء دوره حين اشتدت الأزمات. فقد قرأ ببصيرة أهل الصلاح ما كانت البلاد تتجه إليه من انقسامٍ خطير، فأطلق مبادرته الشهيرة “نداء السودان”، داعيًا إلى وحدة الصف، والحوار الشامل، وتقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة. كانت مبادرته، في جوهرها، دعوةً صادقة لتفويت الفرصة على دعاة الحرب، وقطع الطريق أمام الانزلاق نحو الفوضى.
وقد تشرفتُ بلقائه بصحبه زملاء اعزاء (الأستاذ الاذاعي صاحب الصوت الجميل الرائع مصطفى جابر تكروني والزميل أحمد يسن وعددمن الزملاء بالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، حيث أجريت معه حوارًا إذاعيًا مطولًا في تلك المرحلة الحساسة أطلق من خلالها الشيخ الخليفة الطيب الجد مبادرتة "نداء أهل السودان للوفاق الوطني" في أغسطس 2022، بهدف تحقيق توافق وطني عقب الخلافات السياسية التي تلت إجراءات 25 أكتوبر 2021. حظيت المبادرة بدعم قوى سياسية وقيادات أهلية، وركزت على تشكيل حكومة انتقالية والوصول الانتخابات.
. كان حديثه هادئًا، عميقًا، يفيض بالحكمة، ويستشرف المخاطر القادمة بوضوحٍ لافت. لم يكن يتحدث بلسان السياسيين، بل بلسان المصلحين الذين يرون ما وراء اللحظة، ويخافون على الوطن من مآلات لا تُحمد عقباها.
ولعل أكثر ما يؤلم اليوم، بعد أن اشتعلت الحرب، أن تلك المبادرة لم تجد ما تستحقه من استجابة. فقد كانت – لو قُدّر لها أن تُحتضن – كفيلةً بأن تجنّب السودان كثيرًا من الدماء والدموع. لكن هكذا هي سنن الحياة: لا يُدرك بعض الناس قيمة الحكماء إلا بعد أن تغيب أصواتهم.
تميّز الطيب الجد كذلك بتواضعٍ نادر، وزهدٍ صادق، وبساطةٍ في المظهر والسلوك، حتى كأنك أمام رجلٍ من عامة الناس، لا أمام قامةٍ علميةٍ وروحيةٍ بهذا الحجم. كان قريبًا من الجميع، يؤانسهم، يشاركهم أفراحهم وأتراحهم، لا يتأخر عن جنازة، ولا يغيب عن مجلس عزاء، ولا يتردد في زيارة مريض، مهما كان حاله.
وفي سيرته، تتجلّى صورة العالم العامل، الذي لم تشغله الخلوة عن الجلوة، ولا الذكر عن الفكر، ولا العبادة عن عمارة الأرض. فقد جمع بين “الكتاب” و”الركاب”، بين التربية الروحية والعمل الاجتماعي، بين الدعوة والإصلاح، حتى صار بحقّ رمزًا للوسطية الراشدة التي يحتاجها السودان اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى.
برحيل الطيب الجد، لا يفقد السودان شيخًا صوفيًا فحسب، بل يفقد عقلًا راجحًا، وقلبًا جامعًا، وصوتًا كان يمكن أن يكون جسرًا بين المتخاصمين. لكنه – في ميزان الإيمان – لم يغب، بل انتقل إلى جوار ربّه، بعد أن خلّف أثرًا باقياً، وسيرةً تُروى، ودروسًا تُستلهم.
رحم الله الطيب الجد، رحمةً واسعة، وجعل قبره روضةً من رياض الجنة، ونوّر ضريحه بالمسك والعنبر، ورفع درجته في عليين، وجزاه عن السودان وأهله خير الجزاء.
اللهم أكرم نزله، ويسّر حسابه، واجعله في صحبة الصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.

