Boushsd news Boushsd news
recent

آخر الأخبار

recent
recent
جاري التحميل ...

ذاكرة المسؤولية الغائبة في خطاب مبارك أردول




حين يتكلم المتأخرون عن العدالة: ذاكرة المسؤولية الغائبة في خطاب مبارك أردول





 أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

بقلم: دكتور مزمل سليمان حمد


ليس من الصعب أن يبدو الخطاب السياسي منسجماً مع تطلعات الناس حين يُصاغ خارج دائرة المسؤولية، ولا أن يتشح بعبارات العدالة والإنصاف عندما يُلقى من موقع الناقد لا من موقع الفاعل. حديث مبارك أردول الأخير عن سياسات إزالة السكن العشوائي يندرج ضمن هذا النمط الذي يلامس وجدان المتضررين، لكنه في الوقت ذاته يفتح باباً مشروعاً للسؤال: أين كانت هذه الحساسية الاجتماعية حين كان الرجل جزءاً من منظومة السلطة وصانعاً للقرار في واحدة من أهم المؤسسات الاقتصادية في البلاد؟

إن مأساة السكن غير المنظم ليست وليدة اللحظة، ولا هي نتاج قرار إداري معزول، بل هي تراكم طويل لسياسات اقتصادية واجتماعية اختل فيها ميزان التنمية، وتراجعت فيها أدوار الدولة في التخطيط الحضري وتوفير البدائل. لذلك فإن اختزال القضية في نقد عمليات الإزالة وحدها، دون التطرق إلى جذور المشكلة أو الاعتراف بالمساهمة السابقة في تعقيدها، يظل خطاباً ناقصاً مهما بدا قوياً في ظاهره.

حين يتحدث أردول اليوم عن ضرورة توفير بدائل إنسانية قبل الهدم، فهو يطرح مبدأً لا يختلف حوله اثنان، لكن هذا المبدأ نفسه كان ينبغي أن يكون جزءاً من سياسات المسؤولية الاجتماعية عندما كان على رأس مؤسسة تمتلك موارد ضخمة مثل شركة السودان للموارد المعدنية. تلك المؤسسة التي كان يُفترض أن توجه جزءاً مقدراً من عائداتها لبناء مجتمعات حديثة، تخفف الضغط عن المدن، وتخلق نماذج إسكانية منظمة تستوعب الفئات الهشة، بدلاً من تركها تتكدس في أطراف المدن بلا خدمات ولا تخطيط.

المفارقة المؤلمة أن الأموال التي كان يمكن أن تُحدث تحولاً حقيقياً في واقع السكن، ظل أثرها محدوداً في حياة الناس، بينما تتسع اليوم دائرة النقد للنتائج التي ساهمت تلك السياسات – أو غيابها – في إنتاجها. فالقضية ليست فقط في هدم البيوت، بل في غياب البدائل منذ سنوات، وفي ضياع فرص كان يمكن أن تمنع نشوء هذه الأحياء أصلاً.

أما الربط المباشر بين ما يحدث وطبيعة الحكم، عسكرياً كان أو مدنياً، فهو تبسيط لا يخدم الحقيقة بقدر ما يخدم الخطاب السياسي. فالظلم لا يحتكر شكلاً واحداً من أشكال الحكم، كما أن العدالة لا تتحقق بمجرد تغيير الشعارات. التجارب السابقة تثبت أن الحكومات المدنية نفسها لم تكن بمنأى عن القصور في إدارة ملفات السكن والخدمات، وأن المشكلة أعمق من توصيف سياسي سريع، إذ تتعلق بضعف مؤسسي مزمن وغياب رؤية تنموية متكاملة.

الدعوة إلى حكم مدني ديمقراطي تظل مطلباً مشروعاً في سياق التحول السياسي، لكنها لا تعفي أصحابها من مواجهة ماضيهم بشجاعة، ولا تمنحهم حصانة من النقد. بل على العكس، فإن المصداقية السياسية تُبنى على الاتساق بين القول والفعل، وعلى القدرة على الاعتراف بالتقصير قبل توجيه اللوم للآخرين.

إن المواطنين الذين تضرروا من سياسات الإزالة لا يحتاجون فقط إلى خطابات متعاطفة، بل إلى مراجعة شاملة تعترف بمسؤولية الجميع عن هذا الواقع، وتضع أسساً حقيقية لمعالجته، تبدأ بتخطيط حضري جاد، وتمويل مستدام للإسكان، وتفعيل فعلي للمسؤولية الاجتماعية للمؤسسات، لا أن تبقى مجرد بند نظري في التقارير.

في النهاية، يبقى السؤال الأهم معلقاً: هل النقد الحالي هو بداية مراجعة صادقة للماضي، أم مجرد تموضع جديد في مشهد سياسي متغير؟ الإجابة على هذا السؤال لا تُقاس بالكلمات، بل بما إذا كان من يرفعون شعار العدالة اليوم مستعدون لتحمل نصيبهم من مسؤولية الأمس، والعمل فعلياً على تغيير واقع اليوم، لا الاكتفاء بوصفه.

عن الكاتب

Boush sd

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

Boushsd news