أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
دكتور مزمل سليمان حمد
24 ألف وظيفة إلى المقصلة: كيف يقود التقليص الأعمى إلى تفكيك الدولة السودانية؟
في الدول التي تحترم مؤسساتها، تُدار الخدمة المدنية باعتبارها العمود الفقري للدولة، لا باعتبارها عبئاً مالياً يُزال بجرّة قلم. أما في السودان، فيبدو أن بعض اللجان الإدارية قررت أن تتعامل مع مؤسسات الدولة الحساسة وكأنها كشوفات فائضة في شركة خاسرة، لا أجهزة سيادية وخدمية تقوم عليها حياة الناس وأمن البلاد واستقرارها.
التسريب المتداول حول توصيات لجنة حصر العاملين بالحكومة الاتحادية ليس مجرد (تقرير إداري عابر،) بل وثيقة صادمة تكشف اتجاهاً خطيراً نحو تفريغ الدولة من كوادرها وخبراتها تحت شعار “الإصلاح” و”تقليل الترهل”. الحديث هنا ليس عن إعادة هيكلة مدروسة أو إصلاح مؤسسي متدرج، بل عن إحالة( 24,133) موظفاً وعاملاً إلى المعاش المبكر دفعة واحدة، أي التخلص من 60% من القوة العاملة في الوزارات والهيئات والأجهزة العدلية.
هذا الرقم وحده كافٍ لإثارة الرعب في أي دولة تعيش ظروف حرب وانهيار اقتصادي وتحديات إعادة إعمار، فكيف إذا كانت الجهات المستهدفة هي نفسها المرافق السيادية التي يفترض أن تقود عملية التعافي الوطني؟
الموانئ والطيران والسكك الحديدية… هل المطلوب تشغيل الدولة أم إيقافها؟
حين تستهدف الخطة (2,728) موظفاً من هيئة الموانئ البحرية، فهي عملياً تضع المنفذ البحري الوحيد للسودان أمام خطر الاختناق الإداري والتشغيلي. الموانئ ليست مؤسسة هامشية، بل شريان الاقتصاد السوداني، ومن خلالها تمر( الواردات الصادرات) والوقود والقمح والدواء. أي تقليص أعمى بهذا الحجم يعني بطء العمليات، تراجع الكفاءة، زيادة الفساد!!! ، وتعطيل حركة التجارة في بلد يعاني أصلاً من أزمات اقتصادية خانقة.!!!!
أما في قطاع الطيران، فإن استهداف( 452) موظفاً من الخطوط الجوية السودانية و(581) من سلطة الطيران المدني يكشف قدراً مذهلاً من انعدام الحس الاستراتيجي. السودان بعد الحرب يحتاج إلى إعادة تأهيل مجاله الجوي واستعادة ثقة شركات الطيران وتأمين المطارات والملاحة الجوية. هذه القطاعات لا تُدار بالاجتهادات، بل بخبرات تراكمية دقيقة وحساسة. تقليص هذا العدد من الفنيين والمراقبين والإداريين يعني ببساطة إضعاف القدرة التشغيلية والرقابية لقطاع سيادي يرتبط مباشرة بالأمن القومي والسلامة الجوية.
ثم تأتي الضربة الأكثر قسوة لهيئة سك حديد السودان، باستهداف( 1,208) موظفين من أصل( 2,013.) أي أن أكثر من نصف القوة العاملة ستغادر دفعة واحدة. والسؤال البديهي: كيف يمكن الحديث عن إعادة بناء الاقتصاد وربط الأقاليم وتحريك الإنتاج الزراعي والتجاري بينما يتم ذبح أهم وسيلة نقل استراتيجية عرفها السودان تاريخياً؟ سكك الحديد ليست مجرد وظائف، بل ذاكرة دولة وبنية تحتية قومية. وكل من يعرف هذا القطاع يدرك أن الخبرة فيه لا تُعوّض بسهولة، وأن فقدان الكوادر القديمة يعني ضياع تراكم مهني استمر لعقود.
الإعلام الرسمي… تفكيك صوت الدولة في زمن الحرب
اللافت والخطير أيضاً أن الخطة تستهدف (ف25) موظفاً من الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون و(75) من الهيئة العامة للبث الإذاعي. هنا يصبح السؤال أكثر حساسية: هل تدرك هذه اللجنة أن السودان يعيش معركة إعلامية لا تقل خطورة عن المعركة العسكرية؟
في كل دول العالم التي تمر بالحروب والأزمات، يجري تعزيز الإعلام الرسمي لا تفريغه. لأن( الإذاعة والتلفزيون) ليسا مجرد مؤسستين وظيفيتين، بل أدوات سيادة وطنية، ومنابر للتوعية والتعبئة ومواجهة الشائعات والحرب النفسية. وفي وقت تنشط فيه غرف إعلامية خارجية ومنصات تضليل تستهدف الوعي السوداني، تأتي هذه التوصيات لتضعف المؤسسات الإعلامية الوطنية بدلاً من دعمها وتأهيلها.
والأخطر أن كثيراً من العاملين في هذه المؤسسات يعملون أصلاً في ظروف قاسية، بعضهم بلا استحقاقات كاملة، وبعضهم واصل العمل خلال الحرب والنزوح وانقطاع الرواتب. فهل تكون مكافأتهم اليوم بإلقائهم إلى المعاش المبكر تحت لافتة “الإصلاح الإداري”؟
الأجهزة العدلية… عدالة مشلولة في توقيت قاتل
استهداف (6,011) من الإداريين بالأجهزة العدلية ليس تفصيلاً صغيراً. القضاء والنيابة والسجل المدني والمحاكم لا تعمل بالقضاة وحدهم، بل بمنظومة إدارية كاملة تحفظ الملفات والإجراءات والتنفيذ والأرشفة والمتابعة. أي خلل كبير في هذا الجسم الإداري يعني بطء العدالة وربما شللها.
وفي بلد يواجه ملفات جرائم حرب وانتهاكات ونزاعات حقوقية معقدة، فإن إضعاف الأجهزة العدلية بهذه الصورة يبدو وكأنه وصفة جاهزة لتعطيل العدالة نفسها.
لجنة أرقام… بلا رؤية دولة
المشكلة الكبرى في هذا التقرير أنه يتعامل مع المؤسسات بعقلية المحاسب لا بعقلية الدولة. لا يفرّق بين هيئة سيادية ومكتب إداري، ولا بين مؤسسة إنتاجية ومرفق خدمي حساس. النسبة ثابتة: (60%) للجميع، وكأن الدولة مجرد جدول إكسل ضخم.
هذا النوع من التفكير هو الذي دمّر الخدمة المدنية السودانية عبر العقود. لأن الإصلاح الحقيقي لا يكون بالفصل الجماعي، بل بإعادة التأهيل، والتحول الرقمي، وإعادة توزيع العمالة، وفتح فرص إنتاج جديدة، وضبط التوظيف السياسي، ومراجعة الامتيازات العليا، لا ذبح الموظفين الصغار ومتوسطي الخبرة.
والأكثر خطورة أن التقرير نفسه يعترف بإمكانية فقدان الكفاءات النادرة، وبضعف قدرة وزارة المالية على تحمل التكلفة المالية للتنفيذ، ثم يمضي رغم ذلك في التوصية بالتقليص. أي أن اللجنة تدرك حجم الكارثة المحتملة، لكنها تواصل السير نحوها بلا تردد.
“العمل بمن حضر”… الأزمة التي تجاهلها التقرير
التقرير أيضاً تجاهل واحدة من أخطر الظواهر التي نشأت بعد حرب أبريل (2023) م، وهي ظاهرة “العمل بمن حضر”، التي تحولت من معالجة مؤقتة إلى وسيلة لإعادة تشكيل النفوذ داخل المؤسسات. آلاف العاملين النازحين أو المتضررين تم تهميشهم فعلياً، بينما احتكرت مجموعات محددة المواقع والامتيازات والقرارات.
بدلاً من أن تأتي اللجنة لمعالجة هذا الخلل وإعادة العدالة الوظيفية، جاءت لتضيف طبقة جديدة من الإقصاء، وكأن المطلوب ليس الإصلاح، بل إعادة هندسة المؤسسات وفق توازنات جديدة لا علاقة لها بالكفاءة أو العدالة.
إصلاح أم تفكيك مقنّع؟
إذا كانت الدولة تريد فعلاً إصلاح الخدمة المدنية، فلتبدأ بمكافحة الفساد، وضبط الصرف السياسي، وإيقاف التعيينات غير المهنية، وإعادة الكفاءات المهاجرة، وتحديث بيئة العمل، لا بترويع عشرات الآلاف من الأسر.
أما أن يتحول “الإصلاح” إلى عملية تفريغ جماعي للمؤسسات السيادية والخدمية، فهذا لا يمكن وصفه إلا بأنه مقامرة خطيرة بمستقبل الدولة نفسها.
السودان اليوم لا يحتاج إلى لجان تقليص، بل إلى مشروع وطني لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة والخبرة والعدالة. لأن الدول لا تنهار فقط بالحروب، بل تنهار أيضاً حين تفقد عقولها وخبراتها وذاكرتها المؤسسية بقرارات متعجلة لا ترى أبعد من بند المرتبات في الموازنة العامة.
وللحديث بقيه بإذن الله تعالى.
