أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
بقلم: دكتور مزمل سليمان حمد
في زمنٍ تتساقط فيه الاقتصادات تحت وطأة الحروب والأزمات العالمية، لم تعد الزراعة في السودان مجرد نشاطٍ إنتاجي تقليدي، بل أصبحت معركة وجود حقيقية تتعلق ببقاء الدولة نفسها. فالأوطان التي تفقد قدرتها على إنتاج غذائها تفقد تدريجياً استقلال قرارها السياسي والاقتصادي، وتتحول إلى رهائن للأزمات الخارجية. ومن هنا يبرز مشروع الأمن الغذائي بالدامر بوصفه واحداً من أهم المشاريع الاستراتيجية التي يمكن أن تعيد للسودان عافيته الاقتصادية، إذا ما توفرت الإرادة الحقيقية لإنقاذه.
هذا المشروع ليس مجرد أرض زراعية تمتد على ضفاف النيل، بل هو كنز وطني حقيقي، يختزن في تربته ومياهه وموقعه إمكانيات هائلة قادرة على إحداث تحول اقتصادي كبير، ليس لأهل الدامر ونهرالنيل وحدهم، وإنما لكل السودان. ولذلك فإن أي إهمال أو تباطؤ في معالجة مشكلاته لا يعني خسارة موسم زراعي فحسب، بل يعني تهديد واحدة من أهم ركائز الأمن القومي السوداني.
لقد استبشر الناس خيراً عندما تم تعيين الأستاذ علي عسكوري عضواً منتدباً لشركة زادنا العالمية
، ليس فقط لأنه رجل اقتصاد وتنمية، وإنما لأنه أيضاً ابن المنطقة، ويعرف تفاصيل الأرض والناس والمشروع، ويُدرك جيداً معنى أن تتحول المشاريع الزراعية من أوراق وتقارير إلى حياة يومية ترتبط بمعاش المواطنين واستقرارهم.
وكانت حالة التفاؤل مفهومة ومبررة، لأن الناس كانت تنتظر أن تبدأ مرحلة جديدة من الإدارة الميدانية الجادة، تقوم على النزول إلى الحقول، والاستماع المباشر للمزارعين، والوقوف على جذور الأزمة لا مظاهرها فقط. لكن، وللأسف، جاءت الزيارة الأخيرة للمشروع محدودة ومقتضبة، ولم يشعر بها كثير من المزارعين الذين كانوا ينتظرون لقاءً مباشراً مع الرجل الذي علقوا عليه آمالاً كبيرة.وهذا ليس تقليلا لجهد المدير العام لشركة زادنا العالمية الدكتور طه حسين الذي عرفناه مخلصا ومجتهدا رغم الكثير من الظروف والتحديات التي واجهته وتجاوزها بصبر وثبات وإنجاز.
وهنا يأتي العتاب الصادق لا من باب التقليل، وإنما من باب الحرص على المشروع نفسه. فمشاكل مشروع الأمن الغذائي بالدامر لا يمكن رؤيتها من داخل المكاتب أو عبر التقارير الإدارية وحدها، لأن الحقيقة الكاملة تسكن الحقول والقنوات والبيارات ومحطات الري. هناك فقط يمكن رؤية المأساة الحقيقية التي عاشها المزارعون هذا الموسم.
لقد واجه المزارعون تحديات قاسية تفوق قدرة أي مزارع بسيط على الاحتمال. البعض أفلح وزرع، والبعض الآخر عجز عن إكمال الموسم، لكن الجميع تقريباً اصطدم بكارثة الري. فالتيار الكهربائي ينقطع أحياناً لأيام طويلة، في بعض الفترات، والطلمبات تتعطل باستمرار بسبب غياب قطع الغيار، بينما تعج القنوات الرئيسية بالحشائش والبوص بصورة تعيق انسياب المياه وتشل حركة الري بالكامل.
وبين انقطاع الكهرباء وتعطل الطلمبات وإهمال القنوات، ضاع المزارع وضاعت معه المزروعات. والنتيجة كانت موسماً زراعياً مخيباً للآمال، حيث لم تبلغ الإنتاجية الحد الأدنى الذي يغطي حتى تكاليف الزراعة نفسها. كثير من المزارعين خرجوا من الموسم بخسائر فادحة، بعد أن أنفقوا مدخراتهم واستدان بعضهم أملاً في موسم يعوض سنوات الحرب والأزمات، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام واقع مؤلم عنوانه الفشل الإداري وتعثر البنية التحتية للري.
والمؤسف أكثر أن هناك معلومات متداولة وسط المزارعين والعاملين بالمشروع عن طلمبات وقطع غيار ظلت قابعة في بورتسودان لأكثر من ثمانية أشهر دون ترحيل إلى مواقع المشاريع الزراعية. وهذه ليست مجرد مسألة إدارية عابرة، بل قضية خطيرة تمس صميم الإنتاج الزراعي. فتكاليف أرضيات التخزين والتأخير ربما بلغت الآن قيمة تلك الطلمبات نفسها. فكيف يُعقل أن تبقى معدات حيوية بهذا الحجم متوقفة بينما الأرض عطشى والمزارع ينهار والمحاصيل تموت؟
وهنا يتجه النداء مباشرة إلى الأستاذ علي عسكوري وإلى الدكتور جبريل إبراهيم وزير المالية والي وزير الزراعة الاتحادي ووالي ولايه نهر النيل ووزير الزراعه بنهر النيل : إذا كانت الزراعة بالفعل هي شريان الاقتصاد السوداني كما يُقال في الخطابات الرسمية، فإن المطلوب الآن ليس التصريحات، بل التحرك العاجل والفوري لترحيل كل الطلمبات وقطع الغيار الموجودة في بورتسودان إلى مواقع المشاريع الزراعية، وعلى رأسها مشروع الأمن الغذائي بالدامر، حتى تتمكن هذه المشاريع من دخول الموسم الجديد وهي في وضع أفضل.
إن أخطر ما يواجه المشروع الآن لا يتعلق فقط بضعف الإنتاج أو مشاكل التشغيل، بل بتهديد وجودي مباشر قد يقود إلى كارثة كاملة إذا لم يتم التعامل معه فوراً. فالبيارة الرئيسية التي تضخ المياه للمشروع، والواقعة بمنطقة( الحديبه) جنوب الدامر، أصبحت مهددة بالغرق نتيجة التغيرات الكبيرة التي طرأت على مجرى النيل خلال الفترة الأخيرة.
لقد ألقت تداعيات سد النهضة الإثيوبي الكبير بظلالها الواضحة على حركة المياه في المنطقة، حيث تحولت كميات كبيرة من المياه نحو الضفة الشرقية للنيل، وتوسع مجرى النهر بصورة باتت تهدد بغمر البيارة الرئيسية بالكامل مع حلول موسم الفيضان وهو غاب( قوسين اوادني) .!!؟؟!!!!!
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فإذا لم يتم التحرك الآن، وقبل دخول الفيضان، فإن الطلمبات الحالية مهددة بالغرق الكامل، ما يعني عملياً شلل المشروع بصورة كارثية. وهذه ليست مبالغة أو تهويلاً، بل واقع يراه أهل المنطقة يومياً بأعينهم، وهم يدركون أن الوقت يمر بسرعة بينما لا تزال المعالجات تسير ببطء شديد.
لقد تحولت مساحات واسعة شرق المشروع إلى أراضٍ جافة قاحلة بعد أن مات الزرع وجفت المغروسات بسبب انعدام المياه. مشهد مؤلم لأرض كانت قبل سنوات تضج بالحياة والإنتاج، فإذا بها اليوم تقف على حافة الانهيار الكامل بسبب الإهمال والتأخير وسوء إدارة الأولويات.
ومع ذلك، فإن الأمل لا يزال قائماً. فالمشروع يمتلك كل مقومات النجاح: الأرض الخصبة، والمياه، والخبرة الزراعية، والموقع الاستراتيجي، والكوادر البشرية القادرة على الإنتاج إذا توفرت لها البيئة المناسبة. ولذلك فإن المطلوب اليوم خطة إسعافية عاجلة تبدأ من:
ترحيل الطلمبات وقطع الغيار فوراً من بورتسودان إلى مواقع المشاريع.
التدخل السريع لحماية البيارة الرئيسية قبل موسم الفيضان.
إعادة تأهيل القنوات الرئيسية وتطهيرها من الحشائش والبوص.
توفير الكهرباء والوقود بصورة مستقرة.
تنفيذ زيارات ميدانية حقيقية داخل الحقول لا داخل المكاتب.
الاستماع المباشر للمزارعين باعتبارهم أصحاب التجربة الفعلية.
وضع مشروع الأمن الغذائي بالدامر ضمن أولويات الدولة الاقتصادية والأمنية.
لقد أثبتت حرب أبريل 2023م أن السودان لا يملك ترف إهمال الزراعة. فحين انهارت قطاعات كثيرة، ظلت المشاريع الزراعية هي الأمل الوحيد المتبقي لإنقاذ الاقتصاد ومنع المجاعة والانهيار الكامل. ولهذا فإن حماية مشروع الأمن الغذائي بالدامر ليست قضية محلية تخص ولاية نهر النيل وحدها، بل قضية وطنية تتعلق بمستقبل السودان كله.
إن الواجب الوطني اليوم يفرض على الجميع — الدولة، وشركة زادنا، ووزارة المالية، وحكومة الولاية، والمزارعين، وأبناء المنطقة — أن يتحركوا بصورة عاجلة قبل فوات الأوان.
فإذا ضاع مشروع الأمن الغذائي بالدامر، فلن نخسر مشروعاً زراعياً فقط، بل سنخسر فرصة حقيقية لإنقاذ السودان من الجوع والانهيار الاقتصادي.
وحين تنهض الزراعة… ينهض السودان. .
