بقلم: عبدالمحسن إدريس
في عالمٍ تتشابك فيه المصالح قبل الطرق، لا تزال البحار هي الشريان الأعمق للاقتصاد العالمي، حيث يُنقل عبرها ما يزيد على 80 في المئة من حجم التجارة الدولية وفق بيانات الأونكتاد، لتبقى السفن، رغم كل تطور جوي وبري، الوسيلة الأكثر قدرة على حمل العالم في صمت.
النقل البحري لم يعد مجرد خيار لوجستي، بل أصبح بنية تحتية غير مرئية تستند إليها حركة الغذاء والطاقة والبضائع، بل وحتى البشر في رحلاتهم الكبرى، كالهجرة والحج والسفر العابر للقارات. وبينما تتزاحم المطارات، يظل البحر أكثر اتساعاً وأقل ضجيجاً، لكنه أكثر تأثيراً.
وفي قلب هذه المعادلة، يبرز البحر الأحمر كواحد من أهم الممرات البحرية في العالم، ليس فقط لكونه حلقة وصل بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس، بل لأنه ممر استراتيجي آمن نسبياً، يستوعب سنوياً آلاف السفن التي تحمل النفط والبضائع والمسافرين. هذا الامتداد المائي الضيق ظاهرياً، العميق تأثيراً، يمثل شرياناً اقتصادياً وجيوسياسياً بالغ الحساسية.
أهمية البحر الأحمر لا تتوقف عند التجارة، بل تمتد إلى البعد الإنساني والديني، حيث يشكل معبراً رئيسياً لحركة الحجاج والمعتمرين القادمين من إفريقيا، خاصة عبر خطوط بحرية تربط موانئ جدة وسواكن وسفاجا. هذه الخطوط ليست مجرد مسارات نقل، بل جسور ثقافية وروحية تعبرها سنوياً آلاف القصص الإنسانية.
ومع تطور هذا القطاع، لم يعد السفر البحري تجربة تقليدية، بل تحول إلى منظومة متكاملة تجمع بين السلامة والراحة والتنظيم، وهو تحول يعكس تنافس الشركات العاملة في هذا المجال لتقديم خدمات أكثر جودة، سواء في نقل الركاب أو دعم سلاسل الإمداد أو حتى المساهمة في العمليات الإنسانية، كالإجلاء ونقل المساعدات.
وكنموذج للريادة البحرية تبرز "بسام شيبينغ" لتُعيد تعريف السفر وخدمة الحجيج كواحدة من أبرز الشركات الرائدة في مجال النقل البحري، حيث تقدّم خدماتها عبر موانئ البحر الأحمر بالمملكة العربية السعودية، بالتعاون مع شركائها الاستراتيجيين وعلى رأسهم شركة UME وشركة الاتحاد، ضمن منظومة تشغيلية متكاملة تجمع بين الخبرة والكفاءة.
وتقدم خدماتها على أسطول ضخم من العبارات والبواخر، يعمل على عدة خطوط بحرية إقليمية ودولية، تشمل البحر الأبيض المتوسط بين المغرب وإسبانيا، إضافة إلى خطوط الجزر اليونانية بين اليونان وقبرص، إلى جانب حضورها القوي في موانئ البحر الأحمر، خاصة على خطوط: ضبا – سفاجا، ينبع – سفاجا، جدة – سواكن، وجدة – السويس.
وعلى خط جدة – سواكن، الذي يُعد محورًا استراتيجيًا لنقل المسافرين والحجاج، تدير الشركة عددًا من البواخر المميزة، من بينها: عُمان، سيناء، واسا إكسبريس، أمل، بلاجوس، بريدج، ودليلة، بالإضافة لبقية السفن على الخطوط الأخرى.
كما تقدّم إضافة جديدة على خط جدة – سواكن تتمثل في تشغيل الباخرة الحديثة “مونتي إكسبريس (السلطانة)”، وهي تجربة بحرية متكاملة تُحدث نقلة نوعية في مستوى الخدمات المقدمة، لما تتميز به من مواصفات عالمية ومرافق متكاملة تشمل صالات ترفيهية، مسرح، مسبح، مناطق ألعاب للأطفال، وغرف خاصة لكل راكب ضمن التذكرة، لتجعل من الرحلة تجربة راقية تجمع بين الراحة والرفاهية والأمان.
أحدثت بسام شيبينغ بقيادة قائدها ومديرها اسامه البليل وطاقم مكتبه تحولًا ملموسًا في مفهوم السفر عبر البحر، حيث لم يعد مجرد وسيلة انتقال، بل أصبح تجربة متكاملة تجمع بين الراحة والتنظيم العالي والرفاهية، إلى جانب سياسة تسعير متوازنة وثابتة تراعي مختلف الظروف، مما جعلها خيارًا مفضلًا لآلاف المسافرين.
وفي أوقات الأزمات، يظهر الوجه الحقيقي للنقل البحري، حين يصبح وسيلة إنقاذ قبل أن يكون وسيلة نقل، وحين تتحول السفن إلى جسور نجاة تربط بين الضفة الآمنة والضفة المضطربة، وهو ما يعزز من مكانة هذا القطاع كعنصر حيوي في الاستجابة الإنسانية الدولية.
إن الحديث عن البحر اليوم، ليس حديثاً عن الماء، بل عن النفوذ، وعن الاقتصاد، وعن الإنسان.
فالدول التي تُحسن إدارة موانئها وخطوطها البحرية، لا تتحكم فقط في تجارتها، بل تملك مفاتيح التأثير في محيطها الإقليمي.
وفي النهاية، يبقى البحر، رغم كل شيء، أقل الطرق ضجيجاً.. وأكثرها حملاً للعالم.
