أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
دكتور مزمل سليمان حمد
بين قسوة الأحكام وحاجة الوطن إلى الكلمة الحرة.. رجاء كريم بالعفو عن الزميلة الصحفية رشان أوشي
في الأزمنة المضطربة، تصبح الصحافة أكثر من مجرد مهنة، وتتحول الكلمة إلى مسؤولية ثقيلة يحملها أصحاب الضمائر الحية وهم يسيرون وسط حقول الألغام السياسية والأمنية والاجتماعية. والصحفي الحقيقي ليس ذلك الذي يكتب في أوقات الاستقرار فقط، بل الذي يغامر ويقترب من مناطق النار حين يتراجع الآخرون، ويواجه العتمة بحثًا عن الحقيقة، حتى وإن أخطأ أحيانًا في التقدير أو النقل أو الاعتماد على المصادر.
والصحافة في بلادنا دفعت أثمانًا باهظة عبر عقود طويلة؛ فكم من صحفي تعرض للملاحقة أو الاعتقال أو المحاكمات أو التضييق أو التشهير، فقط لأنه اختار أن يكون شاهدًا على المرحلة. وفي ظل الحرب المدمرة التي اندلعت في أبريل 2023م، ازدادت التحديات قسوة، وأصبح الصحفيون يعملون وسط الخوف والانهيار والاضطراب وانقطاع المعلومات، في ظرف استثنائي اختلطت فيه الحقيقة بالشائعات، وضاقت فيه مساحات التحقق المهني الكامل أحيانًا تحت ضغط السبق والخطر وتعقيدات المشهد.
وفي خضم هذه الظروف، تبرز الزميلة رشان أوشي باعتبارها واحدة من الأصوات الصحفية التي عُرفت بالجرأة والحضور المهني والعمل الميداني الشاق. وقد ربطتني بها معرفة قديمة تعود إلى ما قبل انفصال دولة (جنوب السودان،) حين كنا ضمن الصحفيين الذين جابوا (جوبا) وغطوا الأحداث الساخنة والمعقدة في تلك المرحلة المفصلية من تاريخ الوطن. كنا نحمل همّ السودان الواحد، ونؤمن بأن الكلمة يمكن أن تكون جسرًا للوعي والوحدة، لكن الأحداث كانت تمضي بعنادها المعروف نحو الانفصال.
وأذكر جيدًا كيف كانت رشان وسط الزملاء والزميلات تتحرك بثقة واجتهاد واحترام، تحمل قلمًا جريئًا دون إسفاف، وتدافع عن قناعاتها بأدب وشجاعة، وتؤمن بأن الصحافة موقف ورسالة قبل أن تكون مهنة أو وظيفة. ومع مرور السنوات، ظل حضورها واضحًا في الصحافة المقروءة والمرئية، وظلت من الأصوات التي لا تخشى الاقتراب من الملفات الساخنة.
وعندما اندلعت الحرب المشؤومة في أبريل 2023،م كانت من أوائل الصحفيات اللاتي تحركن ميدانيًا لتغطية الأحداث. وأشهد بأنها قامت بجهد كبير في تغطية ما جرى في ( مطار مروي،) حينما احتلته المليشيا المتمرده الارهابيه (الدعم السريع) وكانت من أوائل الإعلاميين الذين وصلوا إلى هناك في ظروف شديدة التعقيد، وقدمت مواد وبرامج مرئية مهمة للتلفزيون القومي وزارت (الفرقة الثالثة مشاة بشندي) وعددًا من المواقع قبل أن تمتد إليها يد الدمار. لقد تقدمت الصفوف في وقت اختار فيه كثيرون الابتعاد أو الصمت أو الاكتفاء بالمراقبة من بعيد.
ومن الإنصاف أن نقول إن الصحفي، مهما بلغت خبرته، ليس معصومًا من الخطأ. نعم، ربما استندت الزميلة( رشان) إلى معلومات أو مصادر كان ينبغي التحقق منها بصورة أعمق وأكثر دقة، وربما كان من الواجب مراجعة بعض التفاصيل قبل نشرها أو تداولها، وهذه مسألة مهنية مهمة ينبغي التوقف عندها واستخلاص الدروس منها. لكن بين الخطأ المهني المتصور وبين خسارة الوطن لقلم صحفي مؤثر ومساحة للتسامح، تبقى الحكمة مطلوبة، خاصة في بلد أنهكته الانقسامات والخصومات والجراح.
لقد صدر الحكم القضائي، والجميع يحترم القضاء وأحكامه وإجراءاته، لكن يبقى باب العفو والتسامح من أنبل الأبواب التي تُفتح بعد اكتمال مسار العدالة. ومن هنا، نتوجه برجاء صادق وكريم إلى السيد المقدم شرطه /عبدالمطلب محمد أحمد، راجين منه أن ينظر بعين العفو والتقدير إلى هذه القضية، وأن يتنازل عن الحق الخاص، استجابةً لنداءات الزملاء والوسط الصحفي وكل الذين التمسوا الصفح والتسامح.
ونحن نثق أن أصحاب المروءة الكبار يدركون أن العفو عند المقدرة ليس ضعفًا، بل رفعة أخلاقية وإنسانية ووطنية. كما نثق أن تقدير الظروف التي تعمل فيها الصحافة اليوم، بما فيها من ضغط وتوتر واستقطاب وفوضى معلومات، يستحق أن يكون حاضرًا في ميزان التقييم.
لقد كتب عدد من الزملاء والأعزاء والأوفياء مطالبين بالتسامح، وفي مقدمتهم الأستاذ الصادق الرزيقي، إلى جانب أصوات صحفية أمثال الزميلة المحترمه الأستاذة (سهير عبدالرحيم) وإعلاميات إعلاميين كثر آمنوا بأن الوطن يحتاج اليوم إلى التهدئة لا إلى تعميق الجراح، وإلى جمع الصفوف لا إلى توسيع مساحات الخصومة.
إن بلادنا تمر بمرحلة بالغة الحساسية، والصحافة الوطنية الجادة يجب أن تُسند وتُقوَّم وتُنصح، لا أن تُكسر بالكامل. فنحن لا ندافع عن الخطأ، بل ندافع عن قيمة التسامح، وعن أهمية الحفاظ على الأقلام الوطنية التي اجتهدت وقدمت وتحملت المخاطر، حتى وإن أخطأت في بعض التقديرات.
ولهذا، فإننا نتقدم باعتذار أخلاقي وأدبي باسم الزملاء وكل من يعرفون الزميلة (رشان أوشي) عن أي ضرر أو إساءة أو التباس نتج عن ما كُتب أو نُشر، ونلتمس من السيد سعاده المقدم شرطة /عبدالمطلب محمد أحمد أن يطوي هذه الصفحة بروح السودانيين السمحة المعروفة، وأن يمنح الوطن درسًا جديدًا في التسامح والعفو والتجاوز النبيل.
فالأوطان لا تُبنى بالأحكام وحدها، وإنما أيضًا بالرحمة، والحكمة، والعفو الجميل.
