بقلم: زين العابدين الطيب عثمان
لم يكن تشكيل الرباعية الدولية بشأن السودان مجرد خطوة دبلوماسية عابرة بل جاء في سياق محاولة احتواء أزمة معقدة تهدد كيان الدولة السودانية واستقرار الإقليم بأكمله غير أن هذه الآلية التي ضمت قوى دولية وإقليمية مؤثرة سرعان ما تحولت من أداة للحل إلى نموذج للإخفاق السياسي حين عجزت عن فهم طبيعة الأزمة السودانية وتعقيداتها العميقة
منذ لحظة التكوين ظهرت الإشكالية الأساسية في غياب الفهم الحقيقي للسودان بوصفه مجتمعا متعدد الطبقات والتراكيب حيث لا يمكن اختزال أزمته في صراع سلطة أو نزاع عسكري محدود بل هي أزمة دولة وهوية وشرعية لذلك جاءت مقاربات الرباعية سطحية تعتمد على أدوات تقليدية مثل وقف إطلاق النار والترتيبات الانتقالية دون معالجة الجذور البنيوية للأزمة
زاد من تعقيد المشهد أن الرباعية نفسها لم تكن على قلب رجل واحد بل حمل كل طرف داخلها رؤيته الخاصة ومصالحه المختلفة مما أضعف قدرتها على اتخاذ موقف موحد أو فرض مسار فعال للحل فتحولت الاجتماعات إلى منصات تنسيق شكلي أكثر من كونها أدوات تأثير حقيقي على مجريات الصراع
ومن أبرز أوجه القصور التي ساهمت في الوصول إلى حالة الموت السريري تأخر إشراك الدولة الأقرب إلى السودان جغرافيا ووجدانيا وهي مصر فرغم أن مصر تمثل الامتداد الطبيعي والتاريخي للسودان وتملك فهما أعمق لتعقيدات مجتمعه فإن إدماجها في الجهود جاء متأخرا وبصورة لا تعكس ثقلها الحقيقي الأمر الذي حرم مسار الوساطة من عنصر توازن مهم كان يمكن أن يسهم في تقريب وجهات النظر وبناء الثقة
كما أن الرباعية وقعت في خطأ استراتيجي آخر تمثل في تجاهل المجتمع المدني السوداني باعتباره الأداة الأساسية لتنزيل مفهوم المدنية وتحقيق التحول المدني على الأرض فقد تم التعامل مع النخب السياسية والعسكرية بوصفها الفاعل الوحيد بينما تم تهميش القوى المجتمعية التي تمثل الضامن الحقيقي لأي انتقال ديمقراطي مستدام وهذا التجاهل أفرغ أي حديث عن التحول المدني من مضمونه العملي وحوله إلى شعارات لا تجد طريقها إلى الواقع
إضافة إلى ذلك افتقرت الرباعية إلى الحساسية اللازمة في التعامل مع خصوصية السودان حيث بدا خطابها في كثير من الأحيان وكأنه إسقاط لنماذج جاهزة لا تراعي السياق المحلي ولا تعقيدات التاريخ الاجتماعي والسياسي للبلاد وهو ما أدى إلى اتساع فجوة الثقة بينها وبين قطاعات واسعة من السودانيين
أما على مستوى التنفيذ فقد ظلت المبادرات التي طرحتها الرباعية حبيسة البيانات والاجتماعات بسبب غياب أدوات الضغط وآليات الإلزام مما جعلها عاجزة عن تحويل رؤاها إلى نتائج ملموسة على الأرض فبقيت الحرب مستمرة واستمرت معاناة المدنيين دون تغيير يذكر
إن ما تعيشه الرباعية اليوم هو حالة موت سريري حقيقية حيث تستمر في الوجود الشكلي دون أن تمتلك القدرة على التأثير الفعلي وإذا لم تتم مراجعة هذا المسار بشكل جذري يقوم على فهم أعمق للسودان وإشراك حقيقي لدوله الأقرب وتمكين فعلي للمجتمع المدني فإن هذه الآلية لن تكون سوى إضافة جديدة إلى سجل الإخفاقات الدولية في إدارة الأزمات
يبقى السؤال الجوهري هل المطلوب هو حل حقيقي للأزمة السودانية أم مجرد إدارتها والإبقاء عليها في حالة توازن هش الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كان بالإمكان إنعاش هذا المسار أم إعلان وفاته بشكل نهائ
