Boushsd news Boushsd news
recent

آخر الأخبار

recent
recent
جاري التحميل ...

دكتور مزمل سليمان حمد يكتب: بين شائعات الفصل ورقمنة الدولة: من يحمي الثقة العامة؟


أصداء من الواقع… ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد 


في خضم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، وفي ظل التحديات الاقتصادية والإدارية التي تواجه مؤسسات الدولة، برزت خلال الأيام الماضية مفارقة لافتة تستحق الوقوف عندها بعين التحليل لا الانفعال، وبمنطق الإصلاح لا المزايدات. فقد تداولت وسائل التواصل الاجتماعي تسريبات منسوبة إلى تقرير لجنة حكومية قيل إنها أوصت بإجراءات واسعة تمس آلاف العاملين في الخدمة المدنية، الأمر الذي أثار موجة من القلق وسط الموظفين وأسرهم، قبل أن يخرج رئيس مجلس الوزراء نافياً صحة الأخبار المتداولة بشأن إعفاء العاملين بالدولة، ومؤكداً أن ما يجري هو إعداد رؤية لإصلاح الخدمة المدنية لا أكثر.


هذه المفارقة تطرح أسئلة جوهرية حول إدارة المعلومات العامة، وحول العلاقة بين الإصلاح الإداري المطلوب وبين حق المواطنين في الحصول على المعلومات الدقيقة، كما تفتح الباب أمام نقاش أوسع بشأن مستقبل الخدمة المدنية السودانية في عصر التحول الرقمي والحوكمة الحديثة.



إن أي حديث عن تقليص الوظائف أو إعادة هيكلة المؤسسات الحكومية يلامس بصورة مباشرة حياة عشرات الآلاف من الأسر، ولذلك فإن التعامل مع مثل هذه الملفات لا يحتمل الغموض أو التسريبات أو الرسائل المتناقضة. فالموظف الذي يسمع حديثاً عن توصيات بإلغاء وظائف أو إحالة جماعية إلى التقاعد المبكر لن ينتظر طويلاً حتى تتسرب إليه مشاعر القلق والخوف على مستقبله المهني والأسري. ومن هنا تصبح الشفافية واجباً إدارياً وأخلاقياً لا مجرد خيار سياسي.



وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول الخوف من الإصلاح إلى رفض لأي مشروع تحديث أو تطوير. فالخدمة المدنية السودانية تحتاج بالفعل إلى مراجعات عميقة وإصلاحات مؤسسية جادة بعد سنوات طويلة من التراكمات الإدارية والتشوهات الهيكلية التي أضعفت الكفاءة وأثرت على جودة الأداء العام. لكن الإصلاح الحقيقي يختلف عن الإشاعات، كما يختلف عن الإجراءات المرتجلة أو القرارات التي تفتقر إلى السند القانوني أو الدراسة العلمية.



ومن بين الأخبار الإيجابية التي تستحق الاهتمام في هذا السياق، ما أعلنه ديوان شؤون الخدمة العامة بشأن المضي في مشروع رقمنة الخدمة المدنية وحوسبة بيانات العاملين بالدولة. فهذه الخطوة تمثل أحد أهم مسارات الإصلاح الإداري في العصر الحديث، لأنها تؤسس لقاعدة بيانات دقيقة وموحدة، وتساعد في تسريع الإجراءات الحكومية، وتحسين إدارة الموارد البشرية، وتقليل فرص التلاعب والأخطاء الإدارية، فضلاً عن تعزيز الشفافية والرقابة المؤسسية.


لقد كشفت الحرب وما صاحبها من تدمير وفقدان للوثائق الورقية هشاشة النظم التقليدية لحفظ المعلومات، وأثبتت الحاجة الملحة إلى الأرشفة الإلكترونية الحديثة التي تضمن سلامة البيانات واستمرارية المؤسسات مهما كانت الظروف. ولذلك فإن مشروع الحوسبة لا ينبغي النظر إليه باعتباره إجراءً فنياً محدوداً، بل باعتباره جزءاً من عملية بناء الدولة الحديثة القائمة على المعرفة والتقنية والحوكمة الرشيدة.


غير أن نجاح أي مشروع للرقمنة يتطلب وضوحاً كاملاً بشأن أهدافه وحدوده. فالحوسبة ليست وسيلة لفصل العاملين، وإنما أداة لضبط المعلومات وتصحيح الاختلالات وتحقيق العدالة الوظيفية. كما أن تحديث قواعد البيانات لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر جديد للقلق الوظيفي، بل إلى ضمانة لحفظ الحقوق وتأكيد الاستحقاقات القانونية للعاملين.


ومن القضايا التي تستحق المعالجة ضمن مشروع الإصلاح الإداري مسألة الأجور والبدلات والحوافز. فالكثير من العاملين يطرحون تساؤلات مشروعة حول أسس احتساب المنح والبدلات، وما إذا كانت تعتمد على الأجر الأساسي أم على إجمالي الأجر. وهذه ليست قضية فنية بسيطة، بل مسألة ترتبط بالعدالة الوظيفية وتحسين مستوى المعيشة وتحقيق الاستقرار الاجتماعي للعاملين الذين أنهكتهم الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف الحياة. ولذلك فإن أي إصلاح للأجور ينبغي أن يكون واضحاً وشفافاً ومستنداً إلى معايير معلنة تحقق المساواة وتمنع الاجتهادات المتضاربة.



وفي الجانب الآخر من المشهد، كشفت الأزمة الأخيرة عن مشكلة متفاقمة تتمثل في الفوضى الخطابية داخل بعض منصات التواصل الاجتماعي. فمن حق المواطنين أن ينتقدوا السياسات والقرارات العامة، ومن حق الصحافة والإعلام أن يناقشا أداء الحكومة بمهنية واستقلالية، لكن ذلك يختلف تماماً عن خطاب الإساءة الشخصية والشتائم والتجريح الذي يستهدف مؤسسات الدولة أو المسؤولين التنفيذيين.


إن حماية حرية التعبير لا تعني قبول الانفلات اللفظي، كما أن مواجهة التجاوزات لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتقييد الحريات العامة. والمعادلة الصحيحة تكمن في ترسيخ ثقافة المسؤولية؛ حرية في الرأي والنقد، مقابل احترام القانون والآداب العامة وكرامة الأشخاص. فالدول القوية لا تُبنى بالصمت، كما لا تُبنى بالإهانات، وإنما بالحوار الرشيد والمعلومات الدقيقة والنقاش الموضوعي.


إن ما تحتاجه البلاد اليوم ليس معارك افتراضية ولا موجات من الشائعات المتلاحقة، بل خطاباً عاماً أكثر نضجاً ومسؤولية. كما تحتاج إلى مؤسسات حكومية تبادر بتقديم المعلومات للرأي العام قبل أن تملأ الفراغ روايات متضاربة وتفسيرات متناقضة. فكلما تأخرت المعلومة الرسمية، اتسعت مساحة الشائعة، وكلما غاب التواصل المؤسسي، تراجعت الثقة العامة.



ويبقى الدرس الأهم أن الإصلاح الإداري الحقيقي لا يقاس بعدد اللجان ولا بحجم التسريبات، وإنما بقدرته على بناء خدمة مدنية كفؤة وعادلة وحديثة تحفظ حقوق العاملين، وترفع كفاءة الأداء، وتدعم مسار التحول الرقمي، وتؤسس لعلاقة قائمة على الثقة بين الدولة والمواطن.


وعندما تلتقي الشفافية مع الرقمنة، وتلتقي العدالة الوظيفية مع الكفاءة المؤسسية، يصبح الإصلاح مشروعاً وطنياً جامعاً لا مصدراً للخوف والقلق. أما إذا ظلت المعلومات أسيرة التسريبات والتكهنات، فإن أي خطوة إصلاحية، مهما كانت أهميتها، ستظل مهددة بفقدان التأييد والثقة التي تحتاجها للنجاح والاستمرار.

عن الكاتب

Boush sd

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

Boushsd news