Boushsd news Boushsd news
recent

آخر الأخبار

recent
recent
جاري التحميل ...

دكتور مزمل سليمان حمد يكتب: حين تعود الذاكرة إلى الوطن



ليست كل عودة تُقاس بخطوات المسافر وهو يعبر بوابة المطار، فبعض العائدين يحملون معهم أوطاناً كاملة، وذاكرة أمة، وتجارب أجيال، ومعاني أكبر من مجرد الحضور الجسدي. وحين يعود رجل بحجم البروفيسور علي محمد شمو إلى السودان بعد سنوات الحرب والنزوح، فإن الأمر يتجاوز حدود المناسبة الاجتماعية إلى دلالات وطنية وثقافية وإنسانية عميقة تستحق التوقف والتأمل.


لقد جاءت هذه العودة في توقيت بالغ الحساسية من عمر السودان، بعد حرب لم تكتفِ بتدمير البنية التحتية والمؤسسات، وإنما امتدت آثارها إلى الوعي الجمعي والذاكرة الوطنية والإحساس العام بالانتماء والاستقرار. وفي مثل هذه اللحظات تصبح عودة الرموز الفكرية والعلمية ذات معنى يتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأن الشعوب المرهقة بالحروب تبحث دائماً عن المعاني التي تعيد إليها شيئاً من التوازن النفسي والثقة بالمستقبل.


والبروفيسور علي شمو لا يمثل مجرد شخصية إعلامية أو أكاديمية عابرة، بل يمثل جيلاً كاملاً من السودانيين الذين أسهموا في صناعة الوعي الوطني، وشاركوا في بناء مؤسسات الإعلام والثقافة والتعليم في السودان والمنطقة العربية والأفريقية. فهو من الأسماء التي ارتبطت بتاريخ الإعلام السوداني الحديث، ومن الشخصيات التي عاصرت تحولات سياسية وثقافية كبرى، واحتفظت رغم ذلك بقدرتها على الجمع بين المهنية والإنسانية والتواضع.


ولعل أكثر ما يمنح هذه العودة بعدها الإنساني أن الرجل نفسه عاش تجربة النزوح التي عاشها ملايين السودانيين بعد اندلاع الحرب، بما تحمله تلك التجربة من قلق واغتراب وإحساس قاسٍ بفقدان المكان والأمان. غير أن قيمة الرموز الحقيقية تظهر في قدرتها على حمل الوطن معها أينما ذهبت، ولذلك ظل البروف شمو حاضراً في المشهد الثقافي والإعلامي حتى وهو بعيد عن أرض السودان، لأن القيمة الفكرية لا تحدها الجغرافيا، ولأن أصحاب الرسالات الحقيقية لا تنطفئ أدوارهم بتغير الظروف.


كما أن الاحتفاء الذي وجده خارج السودان يحمل رسالة مهمة ينبغي أن يتأملها الجميع. فالأمم الحية تعرف قيمة خبراتها ورموزها الفكرية، وتدرك أن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في الحجر والبناء، وإنما أيضاً في الإنسان والتجربة والمعرفة. ولذلك لم يكن غريباً أن يجد هذا التقدير في المنابر الإعلامية والثقافية العربية، وأن يُستدعى للحديث والتوثيق واستعادة الذاكرة السياسية والإعلامية العربية والسودانية، باعتباره شاهداً على حقب كاملة من التاريخ.


وهنا تبرز قضية بالغة الأهمية، وهي أن السودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى استعادة قيمة الخبرة الوطنية، خصوصاً بعد ما أحدثته الحرب من اضطراب في مؤسسات الدولة، وتراجع في الخطاب الإعلامي، وغياب للرؤية المهنية القادرة على إدارة معركة الوعي والرأي العام. فالحروب الحديثة لا تُدار بالسلاح وحده، وإنما تُدار أيضاً بالكلمة والصورة والرواية والقدرة على بناء خطاب وطني متماسك يحافظ على الروح المعنوية ويمنع الانهيار النفسي والاجتماعي.


ومن هنا فإن الاستفادة من خبرات القامات الوطنية الكبيرة لم تعد ترفاً فكرياً أو عملاً بروتوكولياً، بل أصبحت ضرورة وطنية وأخلاقية. فالدول التي تمر بالأزمات الكبرى تحتاج إلى الاستماع لأصحاب التجارب الطويلة، لأن الحكمة لا تُكتسب بسرعة، ولأن بعض الأخطاء التي تُرتكب اليوم سبق أن مرت بها أجيال كاملة وخرجت منها بالدروس والعبر.


كما أن عودة البروف شمو تعيد فتح ملف بالغ الخطورة يتعلق بالذاكرة الوطنية السودانية، خصوصاً ما تعرض له أرشيف الإذاعة والتلفزيون من تهديد وتدمير خلال الحرب. فالأرشيف ليس مجرد تسجيلات قديمة أو مواد إعلامية محفوظة، وإنما هو الذاكرة الحية للشعب السوداني، وصورته الثقافية والسياسية والاجتماعية الممتدة عبر العقود. ولذلك فإن الحفاظ على هذا الإرث يُعد حفاظاً على تاريخ الأمة نفسها.


لقد كشفت الحرب هشاشة التعامل مع قضية التوثيق الوطني، وأثبتت أن الدول التي لا تحمي ذاكرتها تصبح مهددة بفقدان جزء كبير من هويتها. ولهذا فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تشهد مشروعاً وطنياً متكاملاً لحماية الأرشيف السوداني، وتوثيق شهادات الرموز الوطنية والعلمية والإعلامية التي عاصرت مراحل مفصلية من تاريخ البلاد.


وفي الجانب الإنساني، تظل تجربة البروف علي شمو نموذجاً مهماً لمعنى التواضع الحقيقي. ففي زمن أصبحت فيه الأنا تتضخم حول كثير من الأسماء والمواقع، بقي الرجل محتفظاً ببساطته وقربه من الناس وابتعاده عن الاستعراض. وهذه إحدى الصفات النادرة التي تجعل بعض الشخصيات تكبر في وجدان الناس تلقائياً دون حاجة إلى صناعة صورة أو ترويج ذاتي.


إن القيمة الحقيقية للإنسان لا يصنعها الضجيج، وإنما يصنعها الأثر. وبعض الناس يرحلون من المناصب فينتهي حضورهم، بينما هناك من يتحولون مع الزمن إلى جزء من ذاكرة الوطن نفسه. والبروفيسور علي محمد شمو واحد من أولئك الذين تجاوزوا حدود الوظيفة والمنصب ليصبحوا رمزاً لمرحلة كاملة من تاريخ السودان الإعلامي والثقافي.


ولذلك فإن عودته ليست مجرد عودة شخص إلى وطنه، بل عودة معنى من معاني السودان الجميل؛ السودان الذي كان يحتفي بالعلم، ويحترم الخبرة، ويمنح الكبار مكانتهم المستحقة، ويؤمن بأن بناء الأوطان لا يتم فقط عبر السياسة والسلطة، وإنما أيضاً عبر الفكر والثقافة والوعي.


وفي زمن الحرب والتشظي والانقسامات، يبقى الوطن محتاجاً إلى أصوات الحكمة أكثر من أي وقت مضى، ومحتاجاً إلى إعادة الاعتبار لقيمة الإنسان السوداني الذي صنع تاريخ هذه البلاد بعلمه وصبره وخبرته ونزاهته.


حمى الله السودان وأهله، ومتّع البروفيسور علي محمد شمو بالصحة والعافية، وجعل عودته بشارة خير لوطنٍ أنهكته الحرب وما زال يبحث عن طريقه نحو التعافي واستعادة روحه من جديد.

عن الكاتب

Boush sd

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

Boushsd news