Boushsd news Boushsd news
recent

آخر الأخبار

recent
recent
جاري التحميل ...

د.مزمل سليمان حمد يكتب: عوووك ياناس زادنا..



 أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
 دكتور مزمل سليمان حمد



 عوووك ياناس زادنا..

ترحيل الطلمبات الاسعافيه من بورتسوران الي الدامر وتوفير وحدة طاقة الشمسية أو انهيار مشروع الأمن الغذائي الدامر




في الدول التي تدرك معنى الأمن القومي الحقيقي، لا تُترك المشاريع الزراعية الكبرى تواجه مصيرها وحدها، لأن الزراعة ليست مجرد نشاط اقتصادي محدود، وإنما تمثل خط الدفاع الأول عن الاستقرار والغذاء والحياة نفسها. ومن هذا المنطلق تبدو الأزمة التي يعيشها مشروع الأمن الغذائي الدامر اليوم واحدة من أخطر القضايا التي تستوجب التحرك العاجل قبل أن يتحول المشروع إلى ضحية جديدة للإهمال والتأخير وضعف الإرادة التنفيذية. فالمشروع الذي يُعد ثاني أكبر مشروع زراعي بعد مشروع المناصير الجديدة من حيث المساحة والأهمية، يواجه اليوم تهديداً حقيقياً بسبب أزمة الطاقة وتعطل أنظمة الري وتأخر وصول المعدات والوابورات والطلمبات اللازمة لإنقاذ الموسم الزراعي.


لقد أصبحت الطاقة في العصر الحديث عصب الزراعة وروحها الحقيقية، لأن المياه التي تحيي الأرض لا تصل إلى الحقول إلا عبر منظومات تشغيل مستقرة، وعندما تنهار الكهرباء أو يتعطل الوقود تتوقف الطلمبات وتجف التربة وتموت المحاصيل بصمت قاسٍ لا يسمعه أحد إلا المزارعون الذين يشاهدون تعبهم ينهار أمام أعينهم يوماً بعد يوم. والزراعة لا تعرف الانتظار، ولا تمنح أحداً فرصة طويلة للتردد والتسويف، لأن أي تأخير في توفير المياه خلال فترات الحرارة القاسية قد يعني ضياع موسم كامل وخسائر اقتصادية يصعب تعويضها.


إن مشروع الأمن الغذائي الدامر لا يواجه مجرد أزمة فنية عابرة، بل يواجه معركة بقاء حقيقية. فالمشروع يمثل واحداً من أهم المشاريع التي يمكن أن تسهم في حماية البلاد من أزمات الغذاء وارتفاع الأسعار وتراجع الإنتاج الزراعي الناتج عن الحرب والانهيارات الاقتصادية وضعف البنية التحتية. ولذلك فإن أي تراجع في هذا المشروع لا ينعكس فقط على المزارعين، بل يمتد أثره إلى الأسواق والمجتمع والاستقرار الاقتصادي بأكمله.


ومن هنا تبرز الطاقة الشمسية باعتبارها الحل الاستراتيجي الوحيد القادر على إنقاذ المشروع بصورة دائمة ومستقرة. فالسودان من أكثر دول العالم تمتعاً بالطاقة الشمسية الطبيعية، وتشرق الشمس على أراضيه لساعات طويلة يومياً، ومع ذلك لا تزال هذه الثروة الهائلة غير مستغلة بالشكل الذي يليق بحجم الحاجة الوطنية إليها. لقد أثبتت التجارب العالمية أن الطاقة الشمسية أصبحت اليوم العمود الفقري للمشاريع الزراعية الحديثة، خاصة في الدول التي تعاني من ضعف شبكات الكهرباء وارتفاع أسعار الوقود. فهي طاقة مستقرة، منخفضة التكلفة على المدى البعيد، قليلة الأعطال، وقادرة على تشغيل أنظمة الري والمحاور الزراعية بكفاءة عالية ودون الاعتماد على الوقود المتذبذب والأسعار المتصاعدة.


إن استمرار مشروع الأمن الغذائي الدامر في الاعتماد على الحلول التقليدية المؤقتة يعني استمرار النزيف المالي والهدر الزراعي. فالأموال التي تُصرف سنوياً على الوقود والصيانة الطارئة ومعالجة الأعطال يمكن أن تتحول إلى استثمار استراتيجي طويل الأمد عبر إنشاء محطة طاقة شمسية متكاملة تضمن استقرار التشغيل وتحمي المحاصيل وتوفر بيئة إنتاج مستقرة لعقود قادمة. كما أن التحول للطاقة الشمسية سيمنح المشروع استقلالية حقيقية بعيداً عن أزمات الإمداد والانقطاعات المتكررة التي أصبحت تهدد مستقبل الزراعة نفسها.


لكن الأزمة لا تتوقف عند حدود الطاقة فقط، بل تمتد إلى بطء التنفيذ والتأخير غير المبرر في ترحيل الوابورات والطلمبات الخاصة بالري التي وصلت إلى بورتسودان منذ شهور طويلة دون أن تجد طريقها إلى المشروع حتى الآن. وهذا التأخير لا يمكن النظر إليه باعتباره مسألة إدارية بسيطة، لأن الزمن الزراعي مختلف عن أي زمن آخر، والمحاصيل التي تموت عطشاً لا تنتظر التقارير واللجان والإجراءات الروتينية. ومن حق المزارعين أن يتساءلوا بمرارة: كيف لمشروع بهذه الأهمية أن يُترك معلقاً بينما معدات الإنقاذ متوقفة منذ أشهر؟ وكيف يمكن تفسير هذا البطء في وقت يواجه فيه المشروع خطر الانهيار الكامل؟


وسعادة اللواء عادل، لا أحد ينكر حضوركم للاجتماعات واهتمامكم بقضايا المشروع، ولا أحد يقلل من أهمية الشعور بمعاناة المزارعين، لكن الحقيقة التي يجب قولها بوضوح إن الإحساس وحده لا يكفي، والكلمات الجميلة لا تبني مشروعاً يحتضر. الناس اليوم تريد أفعالاً لا خطباً، وقرارات لا وعوداً، وتنفيذاً عاجلاً لا مزيداً من الانتظار. فأنتم في “زادنا” تمثلون الأمل والدعم والسند، ولو توفرت الإرادة الكاملة لأمكن إنجاز الكثير خلال فترة قصيرة، لكن المشروع حتى الآن لم يحصل على ما يتناسب مع حجمه وخطورته الاستراتيجية.


والمؤلم حقاً أن كثيراً من المزارعين باتوا يشعرون بأنهم تُركوا وحدهم في مواجهة هذه الأزمة. ولولا الظروف الاقتصادية القاسية التي يعيشونها لاضطر عدد كبير منهم إلى حفر آبار ارتوازية على نفقتهم الخاصة فقط لإنقاذ محاصيلهم من الموت. فالمزارع السوداني لا يبحث عن الترف، وإنما يقاتل من أجل استمرار الحياة فوق أرضه، ومن أجل حماية مصدر رزقه ومستقبل أسرته.


ولا بد من الاعتراف أيضاً بأن المزارعين أنفسهم مطالبون بالتحرك والدفاع عن مشروعهم بصورة أكبر، لأن الحقوق التي لا يُدافع عنها أصحابها تظل دائماً عرضة للإهمال. فما لم يتحرك الزراع بأنفسهم للمطالبة بإنقاذ المشروع فلن يتحرك الآخرون بالسرعة المطلوبة. إن القضايا المصيرية لا تُنتزع بالصمت، والمشاريع الكبرى لا يحميها الانتظار الطويل، وإنما يحميها الضغط المشروع والإصرار والعمل الجماعي.


إن العالم كله يتجه اليوم نحو الطاقة النظيفة والزراعة الذكية، وأصبحت مشاريع الطاقة الشمسية الزراعية من أكثر المشاريع التي تحظى بالدعم والتمويل الدولي لما توفره من استقرار اقتصادي وحماية بيئية وتنمية مستدامة. وهذا يعني أن مشروع الأمن الغذائي الدامر يمتلك فرصة حقيقية ليصبح نموذجاً وطنياً حديثاً إذا توفرت الرؤية والإرادة وسرعة التنفيذ.


لقد تعب الناس من الحديث الطويل، وملّوا الاجتماعات والتصريحات التي لا تنعكس على أرض الواقع. والمطلوب اليوم ليس مزيداً من الكلمات، بل التحرك الفوري لإنشاء محطة طاقة شمسية متكاملة، وترحيل الوابورات والطلمبات، وإنقاذ الموسم الزراعي قبل أن تتحول الحقول إلى أرض عطشى والمشروع إلى قصة جديدة من قصص الانهيار والإهمال.


إن الأمن الغذائي لا يبدأ من المخازن والأسواق، وإنما يبدأ أولاً من توفير الماء والطاقة للمزارعين. وإذا كانت الدول تُقاس بقدرتها على حماية غذائها، فإن إنقاذ مشروع الأمن الغذائي الدامر أصبح اليوم مسؤولية وطنية عاجلة لا تقبل التأجيل، لأن الحقول التي تُترك بلا ماء تموت سريعاً، ولأن الزمن الزراعي لا ينتظر أحداً.

عن الكاتب

Boush sd

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

Boushsd news