أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
بقلم: دكتور مزمل سليمان حمد
بين الإذاعة والتلفزيون ومصفاة الجيلي: سؤال العدالة المؤسسية في دولةٍ تُدار بالاستثناء لا بالقواعد
في ظلّ الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد بفعل تداعيات الحرب وتفكك البنى المؤسسية وتعقّد الأوضاع الاقتصادية، يبرز ملف الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بوصفه واحداً من أكثر الملفات حساسية ودلالة على عمق الأزمة الإدارية والاجتماعية داخل مؤسسات الدولة. فبينما يواصل عدد محدود من العاملين تشغيل المرفق الإعلامي الوطني في مواقع بديلة داخل البلاد، يتوزع العاملون الآخرين في ولايات مختلفة وداخل وخارج السودان، وقد فرضت ظروف الحرب واقعاً قاسياً أدى إلى تقليص بيئة العمل إلى حدها الأدنى، حيث يعمل عدد محدود في “عطبره ” لانطلاق الإذاعة، وآخرون في بورتسودان لتشغيل التلفزيون، بينما يقف نحو ألف من الكوادر المهنية والفنية خارج دائرة التشغيل الفعلي، لا لقصور في الكفاءة أو الحاجة، وإنما لقيود الإمكانيات وظروف الانتقال والإدارة.
هذا الواقع، الممتد منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، أنتج حالة من الإرهاق المعيشي والمهني للعاملين، حيث ظل كثير منهم يتقاضى راتباً أساسياً لا يواكب حتى الحد الأدنى من متطلبات الحياة في ظل الغلاء المتصاعد، مع غياب المنح والمستحقات الموسمية، بما في ذلك منحة عيد الفطر،التي صرفتها عشرات الوزارات والوحدات لم تكن الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون من بينها حتى الآن علما ان وزرات ومؤسسات وهيئات تتتحدث الان انها رفعت كشوفات عامليها لصرف منحه عيد الأضحى المبارك!!؟؟؟ ، فضلاً عن استحقاقات مالية متراكمة تشمل البديل النقدي لعدة أعوام، وبدل اللبس، وفروقات بدل الوجبة، وتسويات المرتبات المجازة، وغيرها من الالتزامات المالية التي ظلت محل مطالبة مستمرة دون حسم واضح. وفي الوقت الذي تتحدث فيه بعض الجهات الرسمية عن المتابعة، يشعر العاملون بأن صوتهم لا يصل إلى دوائر القرار بالشكل الكافي، وأن معاناتهم اليومية باتت جزءاً من “الاعتياد الإداري” لا من “الاستجابة المؤسسية”.
وفي المقابل، جاءت الزيارة المفاجئة لرئيس مجلس السيادة إلى مصفاة الجيلي لتفتح نقاشاً أوسع حول أهمية التدخلات الميدانية المباشرة في القطاعات الحيوية، باعتبارها أداة لتشخيص الواقع بعيداً عن التقارير المكتوبة التي قد لا تعكس حجم التعقيد على الأرض. هذه الزيارة، بما حملته من رسائل سياسية واقتصادية، أعادت إلى الواجهة سؤال الحضور التنفيذي الفعّال في مواقع الإنتاج والخدمات، خاصة في القطاعات المرتبطة بحياة المواطن اليومية مثل الوقود والطاقة، في ظل أزمة أسعار متصاعدة وضغوط معيشية خانقة.
لكن هذه الديناميكية في التحرك الميداني تفتح أيضاً الباب أمام مقارنة مشروعة: لماذا لا تمتد هذه الروح الرقابية إلى المؤسسات الخدمية والإعلامية التي تمثل صوت الدولة وذاكرتها؟ ولماذا لا تحظى الإذاعة والتلفزيون ووكالة الأنباء، بوصفها مؤسسات سيادية، بذات القدر من المتابعة الميدانية التي تضع القرار أمام الواقع مباشرة؟ إن الإعلام العام ليس جهازاً ثانوياً، بل هو جزء من بنية الدولة الاتصالية، وأي خلل في تشغيله أو إنصاف العاملين فيه ينعكس على صورة الدولة ذاتها وقدرتها على إدارة خطابها العام.
إن وزارة الثقافة والإعلام، بوصفها جهة إشرافية، تتحمل مسؤولية المتابعة والتوجيه دون أن تتحول إلى بديل عن الإدارة التنفيذية للهيئة، غير أن العاملين يرون أن الفجوة بين التوجيه والتنفيذ ما زالت واسعة، وأن القرارات العليا، رغم صدورها، لا تجد طريقها الكامل إلى التطبيق، وهو ما يضاعف من شعور الإحباط ويؤثر على الاستقرار المهني داخل المؤسسة. وفي ظل هذا الوضع، تتعاظم الحاجة إلى تدخل مباشر من مجلس الوزراء لإعادة ضبط مسار الحقوق المالية والإدارية، وضمان صرف الاستحقاقات المتأخرة، وإعادة ترتيب أولويات الدعم للعاملين الذين ظلوا يواصلون العمل رغم الظروف القاسية.
إن العدالة المؤسسية اليوم لا تقاس فقط بصدور القرارات، بل بقدرتها على الوصول إلى مستحقيها في الوقت المناسب، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بعاملين ظلوا لسنوات يمثلون صوت الدولة وصورتها أمام الجمهور. كما أن إنصافهم لا ينبغي أن يُنظر إليه كملف مالي فقط، بل كجزء من إعادة بناء الثقة في الخدمة العامة، وتعزيز قدرة المؤسسات الإعلامية على النهوض بدورها في مرحلة ما بعد الحرب.
وبين زيارة مصفاة الجيلي وما تثيره من رسائل حول أهمية المتابعة الميدانية، وبين واقع الإذاعة والتلفزيون بما يحمله من تحديات إنسانية ومهنية، تتأكد الحاجة إلى مقاربة شاملة تعيد الاعتبار للمؤسسات كافة دون استثناء، وتضع الإنسان العامل في قلب السياسات لا على هامشها، لأن استقرار الدولة يبدأ من استقرار موظفيها، وفعالية مؤسساتها تبدأ من عدالة توزيع الحقوق داخلها.
