Boushsd news Boushsd news
recent

آخر الأخبار

recent
recent
جاري التحميل ...

حمدي ميرغني يكتب: عيد الأضحى في السودان..


 

حمدي ميرغني يكتب: عيد الأضحى في السودان.. حين يصبح التكاتف الاجتماعي أضحيةً أخرى للقلوب


في السودان، لا يأتي عيد الأضحى كمناسبة دينية فحسب، بل كحدث اجتماعي عظيم تتجدد فيه معاني الرحمة والتراحم وصلة الأرحام، وتعود فيه البيوت السودانية إلى طبيعتها الأولى: بيوت مفتوحة للناس، عامرة بالمحبة، وممتدة الأيادي نحو الفقراء والمحتاجين.


لكن العيد هذا العام يأتي على وقع واقع اقتصادي قاسٍ، وظروف معيشية أثقلت كاهل الأسر، وجعلت فرحة العيد عند كثير من الناس ممزوجة بالحيرة والقلق والأسئلة الثقيلة.

فمع اقتراب أيام الأضحى، اشتعلت أسواق الماشية بصورة غير مسبوقة، وقفزت أسعار الأضاحي إلى مستويات باتت بعيدة عن قدرة المواطن البسيط، حتى أصبح كثير من الآباء يدخلون الأسواق بقلوب مثقلة قبل جيوبهم، يتجولون بين الخراف وهم يحاولون إخفاء عجزهم خلف صمت طويل ونظرات مرتبكة.


في السودان، لا تمثل الأضحية مجرد شعيرة تُؤدى، بل هي جزء من ذاكرة الأسرة وفرحة الأطفال وهيبة البيت السوداني.

فالطفل ينتظر الخروف كما ينتظر العيد نفسه، يفرح بوجوده أمام المنزل، يطعمه، يلتقط الصور معه، ويتحدث عنه لأصدقائه وكأنه أحد طقوس الفرح الكبرى التي لا تكتمل إلا بها أيام العيد.

لكن الأطفال لا يفهمون لغة الغلاء، ولا يدركون معنى أن يقف الأب عاجزاً بين واجبه تجاه أسرته وبين واقع اقتصادي يضيق يوماً بعد يوم.

أما الأم السودانية، فلها مع الأضحية حكاية أعمق من مجرد اللحم والطعام.

فهي ترى فيها كرامة بيت، وبركة رزق، وفرصة لإدخال السرور على الجيران والأقارب والفقراء.

كم من أم سودانية كانت تعتبر صباح العيد مناسبة للفرح الحقيقي وهي توزع اللحم بيديها، ترسل لهذا الجار، وتعطي تلك الأرملة، وتطرق أبواب المحتاجين بمحبة تحفظ كرامتهم قبل أن تسد حاجتهم.


هذه الروح الاجتماعية ظلت لسنوات واحدة من أجمل ملامح المجتمع السوداني؛ مجتمع يقوم على “الفزعة”، وعلى أن فرحة العيد لا ينبغي أن تبقى داخل بيت واحد بينما يحزن الآخرون خلف الأبواب المغلقة.

غير أن السنوات الأخيرة، بما حملته من حرب ونزوح وفقد وفقر، تركت آثاراً عميقة على آلاف الأسر السودانية.

فخلف ازدحام الأسواق، توجد بيوت صامتة فقدت معيلها، وأطفال يستقبلون العيد بغياب الآباء، وأرامل يحاولن أن يبدون قويات أمام أبنائهن بينما الألم ينهش قلوبهن في الخفاء.


هناك أسر لم تعد تفتقد الأضحية فقط، بل تفتقد الأمان ذاته، ووجود الرجل الذي كان يحمل هم البيت ويمنحه الحياة.

وفي ظل هذه الظروف، يصبح التكاتف الاجتماعي ضرورة أخلاقية قبل أن يكون عملاً خيرياً.

فالمجتمع السوداني عرف دائماً بأنه مجتمع لا يترك الضعيف وحده، ولا يسمح لليتيم أن يشعر بالعزلة في الأعياد والمناسبات.

ولذلك، فإن أجمل ما يمكن أن يقدمه الناس في هذا العيد ليس التفاخر بكبر الأضاحي أو كثرة الولائم، بل إعادة إحياء قيمة “التكافل” التي تميز السودانيين منذ عقود.

أن يطرق الجار باب جاره.

أن يتفقد الناس الأرامل والأيتام.

أن تُجمع المساهمات للأسر المتعففة.

أن يشعر الفقير أن المجتمع ما زال يتذكره رغم قسوة الظروف.

فالرحمة في مثل هذه الأيام لا تُقاس بحجم ما يملكه الإنسان، وإنما بحجم ما يقدمه من مواساة وجبر خاطر.


وفي المقابل، تبرز الحاجة كذلك إلى مسؤولية أخلاقية لدى بعض التجار، خاصة في مواسم ترتبط بمشاعر الناس واحتياجاتهم الدينية والاجتماعية.

فالربح حق مشروع، لكن استغلال حاجة الناس ورفع الأسعار بصورة ترهق الأسر وتكسر فرحة البسطاء، يطرح أسئلة مؤلمة حول غياب الرحمة في بعض النفوس.

لقد كان السودانيون دائماً يؤمنون بأن البركة ليست في كثرة المال، بل في الرحمة والتيسير والإحساس بالآخرين.

العيد الحقيقي ليس فيمن يملك أكبر خروف، ولا فيمن يقيم أفخم الولائم، بل في أن ينام الأطفال مطمئنين، وأن تشعر الأرملة أن هناك من يسندها، وأن يجد اليتيم من يمسح على قلبه قبل رأسه.

ففي أوقات الأزمات، تصبح الإنسانية هي الأضحية الأهم، ويصبح التكاتف الاجتماعي هو المعنى الأعمق للعيد.

ولعل السودان، رغم كل ما مر به من أوجاع، ما زال يملك هذه القوة العظيمة: قوة الناس حين يقفون مع بعضهم البعض، ويتقاسمون الحزن والفرح واللقمة والدعاء.

فاللهم اجعل عيد الأضحى في السودان عيد رحمةٍ وتراحم، وعيد جبرٍ للقلوب المنكسرة، وفرجٍ للمحتاجين، واحفظ بلادنا وأهلها من كل سوء، وأعد على السودانيين أيام الأمن والخير والمحبة.

عن الكاتب

Boush sd

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

Boushsd news