من أعلي المنصة
ياسر الفادني
حين يظهر أحمد محمد هارون في هذا التوقيت الحرج، فالأمر لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تهنئة عابرة بمناسبة عيد الأضحى، بل هو ظهور سياسي محسوب بدقة، أشبه بإطلاق (قذيفة معنوية) في ساحة تعج بالدخان والارتباك والتكهنات،
الرجل لم يخرج بجلابية المؤتمر الوطني القديمة فقط، بل خرج بجلابية جديدة مفصلة على مقاس المرحلة الحالية جلابية عنوانها (الوطن أولاً) ، وحبرها السياسي مكتوب بمفردات الكرامة والسيادة والتماسك الوطني، لذلك لم يكن غريبًا أن يثير ظهوره غبارًا كثيفًا وسط ( كُوَش) تأسيس وصمود وأخواتها، لأن الرسالة وصلت واضحة: الإسلاميون لم يغادروا المسرح كما ظن خصومهم، بل ظلوا واقفين في الظل يراقبون حركة التاريخ حتى جاءت لحظة العودة إلى الضوء.
خطاب هارون لم يكن خطاب حزب محاصر، بل خطاب تيار يشعر أن الحرب أعادت ترتيب الأوراق لصالحه، لذلك خاطب القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والقوات المشتركة والكوادر الطبية بلغة تحمل روح الاصطفاف الوطني، وكأنه يريد أن يقول إن معركة السودان الحالية ليست معركة حكومة أو جماعة، بل معركة دولة وهوية وسيادة ، وهنا مكمن الخطورة السياسية في ظهوره، خصوم الإسلاميين كانوا يعتقدون أن الحرب ستبتلع المؤتمر الوطني إلى الأبد، لكن الواقع كشف شيئًا آخر، كشف أن التنظيمات العقائدية لا تموت بسهولة، وأن التيار الإسلامي في السودان ما زال يمتلك شبكة اجتماعية وسياسية وتنظيمية قادرة على التنفس حتى تحت الركام، ولذلك فإن ظهور هارون بهذه الثقة أربك كثيرين، لأن الرجل تحدث من موقع من يعلم أن هناك قاعدة ضخمة لا تزال تستمع، وتنتظر، وتتحرك عاطفيًا مع أي خطاب يحمل نبرة (الدفاع عن الدولة) .
الأمر بالنسبة للإسلاميين لم يكن مجرد تصريح سياسي، بل كان جرعة أوكسجين معنوية أعادت شيئًا من الثقة لقطاعات واسعة شعرت خلال السنوات الماضية بأنها مستهدفة بالإقصاء والملاحقة والتشويه، ظهور هارون بهذه اللغة الواثقة أثلج صدور كثيرين داخل التيار الإسلامي، لأنه أعطاهم الإحساس بأن المؤتمر الوطني ما زال يمتلك (كفة ثقيلة) في ميزان السياسة السودانية، كفة يمكنها أن تقذف بأي وزن آخر إذا وُضع في الجهة المقابلة!، ولذلك فإن أكثر ما أزعج خصوم المؤتمر الوطني ليس الكلمات نفسها، بل النبرة التي خرج بها الخطاب؛ نبرة العائد لا الهارب، ونبرة الشريك في صناعة المشهد لا المتفرج عليه.
هارون كذلك لعب بذكاء على وتر الوطنية، فحديثه عن المخططات الخارجية واختراق الإرادة الوطنية لم يكن مجرد توصيف سياسي، بل محاولة لإعادة رسم خط النار بين معسكرين: معسكر يقول إنه يقف مع الدولة والسيادة، ومعسكر آخر يتم تصويره باعتباره واجهة لمشاريع خارجية، وهذا النوع من الخطاب يجد صدى واسعًا في ظل الحرب الحالية، لأن المزاج الشعبي أصبح أكثر حساسية تجاه أي شبهة تدخل خارجي ، وفي ذات الوقت، فإن رسالته للسلطة بشأن الشفافية وتحسين الأداء الحكومي تحمل معنى أعمق؛ فهي ليست نقدًا عدائيًا، بل تلميح سياسي يقول إن المؤتمر الوطني يريد العودة كلاعب يملك رأيًا ورؤية، وليس مجرد جسم ينتظر التسويات.
ظهور أحمد هارون الآن سيترك أثرًا سياسيًا وإعلاميًا كبيرًا خلال الأيام المقبلة، لأن التصريح لن يُقرأ داخل السودان فقط، بل ستراقبه أيضًا القوى الإقليمية والدولية التي تدرك أن الإسلاميين السودانيين، رغم الضربات التي تعرضوا لها، ما زالوا يمتلكون القدرة على الحضور والتأثير والتعبئة.
أما معسكر صمود وتأسيس ومن يدور في فلكهم، فإن هذا الظهور بالنسبة لهم أشبه بصوت قوي عاد من عمق المعركة ليقول: ما زلنا هنا… ولذلك جاء الغضب سريعًا، لأن ظهور هارون نسف سردية كاملة كانت تقوم على أن الإسلاميين انتهوا سياسيًا ، لكن السياسة لا تعترف بالأماني، بل تعترف بموازين القوة… والحرب السودانية أعادت تذكير الجميع بأن التنظيمات التي تمتلك جذورًا اجتماعية وعقائدية لا تسقط بسهولة، بل ربما تتراجع، تنكمش، تصمت… ثم تعود في اللحظة التي يظن الجميع أنها انتهت.
إني من منصتي أنظر .... حيث أري .... أن ظهور أحمد هارون ليس مجرد ظهور رجل… بل ظهور تيار كامل أراد أن يعلن أنه ما زال يمسك بجزء معتبر من مفاتيح المشهد السوداني.
