Boushsd news Boushsd news
recent

آخر الأخبار

recent
recent
جاري التحميل ...

دمزمل سليمان يكتب:من فوّض الأمم المتحدة لرسم خرائط السياسة السودانية؟




أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
 دكتور مزمل سليمان حمد 



حين يتحدث المبعوث عن مستقبل السودان: من فوّض الأمم المتحدة لرسم خرائط السياسة السودانية؟



في خضم واحدة من أعقد الحروب التي شهدتها القارة الإفريقية خلال العقود الأخيرة، وبينما يواجه ملايين السودانيين النزوح والجوع وفقدان الأمن والاستقرار، كان المنتظر من المجتمع الدولي والأمم المتحدة أن ينشغلا بالبحث الجاد عن سبل إيقاف الحرب وتجفيف منابع تمويلها ووقف تدفق السلاح إلى أطرافها. غير أن التصريحات الأخيرة للمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، جاءت لتثير أسئلة مشروعة حول حدود الدور الأممي، وحول ما إذا كانت بعض الأطراف الدولية قد انصرفت عن معالجة أصل الأزمة إلى محاولة هندسة مستقبل السودان السياسي وفق تصورات ومصالح خارجية.


فما الذي يدفع مبعوثاً أممياً، يفترض أن تكون مهمته الأساسية المساعدة في إنهاء الحرب وتحقيق السلام، إلى الخوض في تفاصيل من يشارك ومن يُستبعد من العملية السياسية السودانية المقبلة؟ ومن الذي منح الأمم المتحدة أو غيرها حق تحديد القوى التي ينبغي أن تكون جزءاً من المشهد السياسي السوداني أو تلك التي يجب أن تُقصى منه؟


إن جوهر الأزمة السودانية اليوم ليس خلافاً نظرياً حول شكل الحكومة المقبلة، ولا جدلاً أكاديمياً حول طبيعة المرحلة الانتقالية، وإنما حرب مدمرة دفعت البلاد إلى حافة الانهيار، وأنتجت أكبر كارثة إنسانية يشهدها السودان في تاريخه الحديث. ولذلك فإن أي حديث عن ترتيبات سياسية مستقبلية قبل معالجة أسباب الحرب ووقفها بصورة حقيقية يبدو وكأنه قفز فوق الواقع المرير الذي يعيشه السودانيون يومياً.


لقد تحدث المبعوث الأممي عن خطوط حمراء تضعها بعض الدول بشأن مشاركة أطراف سياسية بعينها في المرحلة المقبلة. غير أن السؤال الأهم يظل قائماً: لماذا لا نسمع عن خطوط حمراء مماثلة تجاه الدول أو الجهات التي تتهمها تقارير عديدة بتغذية الصراع وتمويله وتسليح أطرافه؟ لماذا يصبح الجدل حول من يحكم السودان أكثر حضوراً من الجدل حول من يقتل السودانيين؟


إن المجتمع الدولي الذي يتحدث اليوم عن مستقبل الحكم المدني في السودان ظل، طوال شهور الحرب، عاجزاً عن اتخاذ إجراءات فعالة لوقف تدفق السلاح إلى أطراف النزاع. ولم ينجح في فرض رقابة حقيقية على شبكات التمويل والإمداد التي ساهمت في إطالة أمد الحرب وتعقيد المشهد الإنساني. بل إن كثيراً من السودانيين باتوا يشعرون بأن العالم يتعامل مع مأساتهم بقدر كبير من البرود السياسي واللامبالاة الإنسانية.


فالقذائف التي تسقط على الأحياء السكنية لا تأتي من فراغ، والطائرات المسيّرة التي تضرب المنشآت المدنية لا تُصنع داخل مناطق الحرب، والأسلحة التي تحصد أرواح الأبرياء لا تصل إلى ساحات القتال دون شبكات دعم وتمويل وإمداد معروفة أو قابلة للتعقب. وإذا كانت الأمم المتحدة جادة في إنهاء الحرب، فإن الأولوية المنطقية والأخلاقية يجب أن تكون لوقف هذه التدفقات ومحاسبة الجهات التي تغذي الصراع، لا الانشغال المبكر بتوزيع مقاعد السلطة المستقبلية.


وما يثير الاستغراب أكثر أن بعض التصريحات الأممية تبدو وكأنها تتعامل مع السودان باعتباره مشروعاً سياسياً قيد التصميم الخارجي، لا دولة ذات سيادة يمتلك شعبها وحده حق تقرير مستقبله. فالتجارب السودانية، بكل نجاحاتها وإخفاقاتها، أثبتت أن أي ترتيبات تُفرض من الخارج سرعان ما تواجه أزمة شرعية، لأن الاستقرار الحقيقي لا يُستورد، والديمقراطية لا تُمنح بقرارات دولية، وإنما تُبنى عبر توافق وطني حر بين أبناء الوطن أنفسهم.


ولعل المثل الشعبي البليغ الذي يردده أهل السودان يلخص جانباً من هذه المفارقة المؤلمة: "أقتل القتيل وتمشي في جنازته". فكيف يمكن لبعض القوى الدولية أن تتحدث عن السلام والاستقرار في الوقت الذي تعجز فيه عن مواجهة مصادر الحرب أو الضغط الجاد على داعميها ومموليها؟ وكيف يمكن لمن أخفق في حماية المدنيين ووقف النزيف الإنساني أن يتقدم اليوم ليحدد شكل الحياة السياسية المقبلة للسودانيين؟


إن السودانيين لا يرفضون الوساطة الدولية من حيث المبدأ، ولا يعادون دور الأمم المتحدة في دعم السلام والاستقرار. لكنهم يرفضون أن يتحول الوسيط إلى وصي، وأن تنتقل الأمم المتحدة من موقع الميسر للحوار إلى موقع المقرر لمستقبل البلاد. فالوساطة الناجحة هي التي تجمع الأطراف حول طاولة التفاوض، لا التي تحدد مسبقاً من يحق له الجلوس على تلك الطاولة ومن يجب أن يُستبعد منها.


كما أن الحديث المتكرر عن تمكين القوى المدنية يفقد كثيراً من معناه إذا لم يكن قائماً على احترام إرادة السودانيين أنفسهم. فالقوى المدنية الحقيقية لا تُصنع في الفنادق وقاعات المؤتمرات الدولية، ولا تُمنح شرعيتها عبر الاجتماعات الخارجية، وإنما تستمد قوتها من قواعدها الاجتماعية ومن قدرتها على مخاطبة قضايا الناس وتطلعاتهم داخل الوطن.


إن السودان بحاجة إلى دعم دولي حقيقي، لكنه دعم يبدأ بوقف الحرب لا بإدارة نتائجها. يبدأ بتجفيف منابع السلاح والمال، لا برسم خرائط التحالفات السياسية. يبدأ بحماية المدنيين وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، لا بإصدار أحكام مسبقة على مكونات المشهد الوطني. أما تحديد من يحكم السودان وكيف يُحكم السودان، فذلك حق خالص للشعب السوداني وحده، يمارسه عبر الحوار الوطني الحر والعملية السياسية التي يختارها بنفسه.


ويبقى السؤال الذي ينتظر السودانيون إجابة واضحة عليه من المجتمع الدولي: إذا كنتم حريصين حقاً على مستقبل السودان، فلماذا لا تبدأون أولاً بوقف الحرب؟ ولماذا لا توجهون جهودكم نحو منع السلاح من الوصول إلى ساحات القتال ومحاسبة ممولي النزاع ومؤججيه؟ لأن الطريق إلى الحكم المدني والاستقرار السياسي لا يمر عبر التصريحات والاشتراطات الخارجية، بل يمر أولاً عبر إسكات صوت البنادق وإنقاذ الإنسان السوداني من هذه المأساة التي طالت أكثر مما ينبغي.


عن الكاتب

Boush sd

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

Boushsd news