Boushsd news Boushsd news
recent

آخر الأخبار

recent
recent
جاري التحميل ...

اسماعيل شريف يكتب: السودانيون في مصر


السودانيون في مصر.. حياة مؤقتة تحاول أن تصبح ممكنة


بقلم/ اسماعيل شريف

منذ اندلاع الحرب في السودان، تحولت مصر إلى واحدة من أكبر محطات النزوح للسودانيين الهاربين من أصوات الرصاص والانهيار اليومي للحياة.

وصل الآلاف إلى المدن المصرية وهم يحملون شيئًا واحدًا مشتركًا: التعب.

تعب السفر الطويل، والانتظار المرهق عند المعابر، والقلق الذي لا يغادر الوجوه حتى بعد الوصول.

كان أغلب النازحين يصلون بحالة متشابهة؛ حقائب قليلة أو كثيرة، أطفال مرهقون، ونظرات أشخاص لا يعرفون إن كانوا قد نجوا فعلًا أم أنهم فقط توقفوا قليلًا في منتصف الهروب.

في الأيام الأولى، بدا كل شيء مؤقتًا.

الشقق مؤقتة، الإقامة مؤقتة، وحتى الحياة نفسها بدت وكأنها موضوعة بين قوسين كبيرين عنوانهما:

“إلى أن تهدأ الحرب.”

لكن الحرب لم تهدأ، وبدأت رحلة أخرى أكثر هدوءًا وأشد قسوة أحيانًا: رحلة التكيّف.



تحول الروتين اليومي للسودانيين في مصر إلى سلسلة طويلة من الإجراءات المعقدة؛ مواعيد، أوراق، صور شخصية، وطوابير لا تنتهي أمام المصالح الحكومية ومقار المفوضية.

ومع مرور الوقت، أصبح كثير من السودانيين يحفظون أنواع الإقامات المختلفة، ومواعيد التجديد، وشروط الإجراءات الجديدة، أكثر مما يحفظون تفاصيل حياتهم القديمة التي تركوها خلفهم.

وكلما شعر الناس أن أوضاعهم بدأت تستقر نسبيًا، ظهرت متطلبات جديدة أو قرارات مختلفة أو معلومات متداولة تبدأ دائمًا بجملة:

“قالوا لازم…”

أما السكن، فقد تحول إلى واحدة من أعقد الأزمات التي واجهت النازحين.

البحث عن شقة لم يعد مجرد بحث عن مكان للإقامة، بل أصبح اختبارًا نفسيًا واقتصاديًا مرهقًا.


كثير من السودانيين يتحدثون عن ارتفاع مفاجئ في الأسعار بمجرد معرفة المالك أو السمسار بجنسية المستأجر.

عمولات مرتفعة، شروط مرهقة، وشقق متواضعة تُعرض بأسعار تفوق قيمتها الحقيقية بكثير.

وفي بعض الحالات، بدأت عمليات الاستغلال بجملة بسيطة ومتكررة:

“تعال بس شوف المكان.”

ورغم ذلك، لم تكن الصورة كلها قاتمة.

فوسط الضغوط الاقتصادية وصعوبات الحياة، وجد كثير من السودانيين احتضانًا حقيقيًا من مصريين فتحوا أبوابهم للمساعدة دون مقابل، وقدموا الدعم للعائلات القادمة حديثًا، وساعدوا الغرباء على العثور على مناطق آمنة أو سكن مناسب أو حتى فرصة عمل بسيطة.

وفي المقابل، كشفت الأزمة أيضًا وجهًا آخر أكثر قسوة؛ حيث تحولت معاناة البعض إلى فرصة للاستغلال والمتاجرة بالحاجة الإنسانية.

حتى داخل المجتمع السوداني نفسه، ظهرت صورتان متناقضتان بوضوح.

هناك من فتحوا بيوتهم للغرباء، وتقاسموا الطعام والسكن والمعلومات، وتعاملوا مع النازحين كأنهم أفراد من العائلة.


وفي الجهة الأخرى، برزت ممارسات استغلالية تمثلت في رفع أسعار الشقق، والمبالغة في العمولات، وتحويل الأزمة إلى سوق مفتوح للربح.

الحرب، كما يقول كثيرون، لا تغيّر أخلاق البشر بقدر ما تكشفها تحت الضغط.

ومع ذلك، حاول السودانيون في مصر إعادة اختراع حياة تشبههم وسط الفوضى.

خلال الشهور الماضية، انتشرت البازارات الصغيرة والمشروعات المنزلية، وظهرت عشرات المبادرات الفردية التي تقودها نساء وأسر سودانية تحاول تأمين دخل يحفظ الحد الأدنى من الكرامة.

أمهات يبعن الطعام السوداني، وأخريات يعملن في صناعة البخور والعطور والإكسسوارات والمشغولات اليدوية، فيما تحولت بعض الشقق الصغيرة إلى ورش منزلية أو مطابخ إنتاج بسيطة.

لم تكن تلك الأنشطة مجرد تجارة عابرة، بل محاولة جماعية للنجاة.

فكل قطعة تُباع، وكل طلب طعام يصل إلى زبون، غالبًا ما يقف خلفه بيت كامل يحاول الاستمرار بأقل الخسائر الممكنة.


اللافت أن كثيرًا من هؤلاء الأشخاص كانوا يمتلكون حياة مستقرة داخل السودان قبل الحرب؛ وظائف ثابتة، منازل، أعمال خاصة، وعلاقات اجتماعية ممتدة.

لكنهم وجدوا أنفسهم فجأة يبدأون من الصفر داخل مدينة مزدحمة لا تعرف شيئًا عن قصصهم السابقة.

ومع مرور الوقت، طور السودانيون في مصر ما يشبه “مهارة البقاء اليومية”.

تعلموا أي المناطق أقل تكلفة، وأي الشوارع يمكن أن توفر احتياجاتهم بأسعار معقولة، وأي السماسرة يجب تجنبهم، وحتى أي مجموعات مواقع التواصل الاجتماعي يمكن أن تساعد فعلًا في العثور على سكن أو عمل أو معلومة موثوقة.


ورغم كل الضغوط، ما يزال السوداني يحتفظ بقدرته المدهشة على صناعة الألفة وسط القلق.

ففي نهاية يوم طويل من الركض خلف الأوراق أو العمل أو البحث عن حلول، يجلس كثيرون في المقاهي يحتسون الشاي أو القهوة السودانية ويتبادلون النكات والأخبار، ثم يردد أحدهم الجملة المعتادة:

“الحمد لله… الأمور ماشّة.”

ربما أصبحت النجاة اليومية نفسها وظيفة كاملة.

وربما يكون أكثر ما يلفت الانتباه في تجربة السودانيين بمصر هو هذا الإصرار العنيد على مواصلة الحياة رغم هشاشتها.

فحتى بعد الفقد والنزوح والضغوط الاقتصادية والنفسية، ما يزال كثيرون يحاولون الضحك، وافتتاح مشاريع صغيرة، وتنظيم بازار جديد، وصناعة تفاصيل حياة قابلة للاحتمال.

كأن الإنسان السوداني يملك قدرة خاصة على ترميم يومه مهما بدا مؤقتًا…

وعلى خلق حياة جديدة، حتى فوق أرض غير مستقرة تمامًا.

عن الكاتب

Boush sd

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

Boushsd news