Boushsd news Boushsd news
recent

آخر الأخبار

recent
recent
جاري التحميل ...

بين الأمل والارتباك: حين تتحول العودة الطوعية إلى امتحان للثقة



 أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

 دكتور: مزمل سليمان حمد

 


ليست فكرة “العودة الطوعية” في ذاتها موضع خلاف؛ فهي، في أزمنة النزوح القاسي، تمثل بارقة أمل للعودة إلى الوطن واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار والكرامة. لكن ما جرى في تجربة لجنة الأمل يفرض سؤالًا أكثر إلحاحًا: ماذا يحدث عندما تُدار القضايا الإنسانية الحساسة بعقلية مرتجلة، وبآليات تفتقر إلى الدقة والشفافية؟


لقد كشفت الوقائع الأخيرة عن فجوة عميقة بين الشعار والممارسة. فبينما كانت اللجنة تواصل الإعلان عن تفويج المرحّلين جوًا إلى بورتسودان، ظهرت على السطح قصة مقلقة تعكس خللًا بنيويًا في إدارة الملف. ففي الأول من مارس، وُضع نحو 54 شابًا في مركز السادات بالقاهرة، وظلوا هناك قرابة خمسين يومًا في ظروف قاسية، ينتظرون تنفيذ وعود السفر التي قُطعت لهم. خمسون يومًا من القلق والانتظار، لا تليق بملف يُفترض أنه “إنساني” في المقام الأول.


المفارقة المؤلمة لم تكن فقط في طول المعاناة، بل في ما تلاها. فقد تم رفع قوائم هؤلاء الشباب ضمن كشوفات السفر، لكن عند لحظة التنفيذ، لم تتطابق الأسماء مع المغادرين فعليًا. هنا تتبدى واحدة من أخطر الإشكالات: غياب الدقة في إدارة البيانات، وهو أمر لا يمكن تبريره في عمليات تتعلق بمصائر بشرية.


الأدهى من ذلك، أن أسر هؤلاء الشباب تلقت صدمة مضاعفة؛ إذ تبين أن أبناءها لم يسافروا عبر الطائرات كما أُعلن، بل ترددت أنباء عن نقلهم برًا نحو أسوان. وحتى لحظة كتابة هذا المقال، لا توجد رواية رسمية واضحة تؤكد مسارهم أو مصيرهم النهائي. هذا الغموض لا يعبّر فقط عن خلل إداري، بل عن أزمة ثقة تتسع يومًا بعد يوم بين المستفيدين والجهة القائمة على العملية.


إن القضية هنا ليست حادثة معزولة، بل مؤشر على غياب منظومة متكاملة لإدارة العودة الطوعية. فمثل هذه العمليات تتطلب حدًا أدنى من الانضباط المؤسسي: قواعد بيانات دقيقة، تنسيق محكم بين الجهات، شفافية في الإعلان، وآليات متابعة تضمن سلامة كل فرد من نقطة الانطلاق حتى الوصول. ما حدث يوحي بأن هذه الشروط لم تتوفر بالقدر الكافي.


كما أن التناقض بين الخطاب الإعلامي والواقع الميداني يفاقم الأزمة. فبينما تُقدَّم العملية على أنها نموذج ناجح للتنسيق والرعاية، تكشف التفاصيل عن ارتباك في التنفيذ، وغياب للرقابة، وربما تسرّع في إعلان الإنجازات قبل التحقق من اكتمالها. وهذا التباين لا يضر فقط بسمعة اللجنة، بل ينعكس سلبًا على ثقة السودانيين عمومًا في أي مبادرات مشابهة مستقبلًا.


إن العمل الإنساني، بطبيعته، لا يحتمل الأخطاء الفادحة، لأن ثمنها يُدفع مباشرة من معاناة الناس. وعندما تتحول المبادرات إلى مساحات للفوضى أو التجريب، فإنها تفقد مشروعيتها الأخلاقية قبل الإدارية.


ما تحتاجه تجربة العودة الطوعية اليوم ليس مزيدًا من الرحلات أو الأرقام، بل مراجعة جذرية تعيد الاعتبار لأساسيات العمل: الدقة، التنظيم، الشفافية، والمساءلة. فبدون هذه الركائز، ستظل كل عملية تفويج، مهما بدت ناجحة في ظاهرها، محاطة بظلال الشك، ومهددة بالانهيار عند أول اختبار حقيقي.


في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تتعلم الجهات القائمة على هذه المبادرة من هذه التجربة القاسية، أم أن “العودة الطوعية” ستظل عنوانًا جميلًا يخفي وراءه واقعًا مرتبكًا؟

عن الكاتب

Boush sd

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

Boushsd news