أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد. دكتور مزمل سليمان حمد
بين خطاب القيم وواجب الإصلاح… هل يكتفي الإعلام السوداني بإدانة “الكلام الرخيص” أم يواجه أزمته البنيوية؟
في الذكرى ذات الدلالة السياسية العميقة سته أبريل( 6/ أبريل) ، اختار وزير الثقافة والإعلام، خالد الإعيسر، أن يكتب خطاباً مشحوناً بالمشاعر الوطنية، ومثقلاً باستدعاء المأساة السودانية في بعدها الإنساني والعسكري، لينتهي إلى تحذير واضح من “الكلام الرخيص والدعاية المغرضة”. غير أن هذا الخطاب، على ما يحمله من صدق في توصيف الألم، يفتح باباً مشروعاً للتساؤل: هل المشكلة في الخطاب الإعلامي فقط، أم في بنية الإعلام نفسه؟
إن قراءة متأنية لما طرحه الوزير تكشف عن مفارقة لافتة؛ فهو يتحدث عن ضرورة إحداث “تغيير جذري” في حياة الإنسان السوداني، ويشدد على محاربة الفساد بكل أشكاله، بما في ذلك الفساد القيمي والإعلامي، لكنه في المقابل لا يضع يده بشكل مباشر على الأزمة الحقيقية التي تعاني منها المؤسسات الإعلامية الرسمية، والتي تُعد مسؤوليته المباشرة بحكم موقعه التنفيذي.
لقد أشار الوزير إلى خطورة “الدعاية المغرضة” و”الكتابات المأجورة”، وهي بلا شك ظواهر حقيقية ومؤثرة، لكن هذا الطرح يظل ناقصاً ما لم يُستكمل بسؤال أكثر عمقاً: لماذا تجد هذه الظواهر بيئة خصبة أصلاً؟ ولماذا فقد الإعلام الرسمي قدرته على أن يكون مرجعية موثوقة للرأي العام؟
إن الأزمة التي تعيشها مؤسسات مثل الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ووكالة السودان للأنباء ليست أزمة خطاب فقط، بل هي أزمة بنية وتاريخ وتراكمات. فهذه المؤسسات، التي كانت يوماً ما أدوات فاعلة في تشكيل الوعي العام، تعرضت خلال السنوات الماضية لاهتزازات عميقة، تفاقمت بشكل غير مسبوق بعد حرب أبريل 2023، حيث تفرغ معظم الكوادر، وتضررت البنية التحتية، واختل التوازن المهني داخلها، لتبقى فئات محدودة تتحمل عبء العمل في ظروف استثنائية.
في مثل هذا الواقع، يصبح الحديث عن “الكلام الرخيص” أقرب إلى معالجة العرض لا المرض. فالإعلام الضعيف يفتح المجال تلقائياً للإعلام الموازي، والإعلام الغائب يُستبدل بإعلام غير منضبط، والإعلام غير المهني يُقابَل بفوضى في السرد والرواية. وبالتالي، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط في مواجهة الخطاب المغرض، بل في بناء خطاب مهني قوي قادر على المنافسة والإقناع.
إن ما كان منتظراً من وزير الثقافة والإعلام، وهو يتحدث في لحظة رمزية كهذه، أن يربط بين التشخيص الأخلاقي الذي طرحه، وبين برنامج إصلاحي واضح يعالج جذور الأزمة داخل مؤسسات الدولة الإعلامية. فالإصلاح لا يتحقق بمجرد الدعوة إلى تجاهل المهاترات، بل بإعادة بناء المؤسسات على أسس مهنية عادلة، تضمن تكافؤ الفرص، وتعيد الثقة للعاملين، وتستقطب الكفاءات التي غادرت أو همشت.
كما أن الحديث عن عدم الانجرار إلى السجالات، رغم وجاهته من حيث المبدأ، لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للصمت المؤسسي. فالدولة الحديثة لا تكتفي بتجاهل الخطاب السلبي، بل تواجهه بخطاب مضاد قائم على الشفافية والمعلومة الدقيقة. وهنا يبرز الدور الغائب للإعلام الرسمي، الذي يفترض أن يكون في مقدمة المشهد، لا في هامشه.
ومن زاوية أخرى، فإن خطاب الوزير يعكس وعياً سياسياً بأهمية اللحظة التاريخية التي يمر بها السودان، لكنه يظل أقرب إلى خطاب تعبوي عام، منه إلى رؤية تنفيذية محددة. فالتحديات التي أشار إليها، من بناء الدولة، وتعزيز المواطنة، ومحاربة الفساد، كلها قضايا جوهرية، لكنها تحتاج إلى ترجمة عملية داخل كل وزارة، وخاصة وزارة الإعلام، التي تُعد في صميم معركة الوعي.
إن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى خطاب يندد بالممارسات السلبية، بل إلى مؤسسات قادرة على إنتاج خطاب بديل، مهني، صادق، ومؤثر. ولا يمكن تحقيق ذلك دون إصلاح حقيقي يبدأ من داخل هذه المؤسسات: إعادة هيكلة، تدريب، تمكين عادل، تحديث تقني، واستقلال نسبي يضمن المهنية دون الانفلات.
في المحصلة، فإن حديث الوزير يضع إصبعه على جزء من الأزمة، لكنه يتجاوز جزءها الأهم. فالإعلام لا يُصلح بالنوايا وحدها، ولا بالتحذير من خصومه، بل ببنائه من الداخل ليكون قادراً على استعادة ثقة الجمهور. وبين خطاب يدين “الكلام الرخيص”، وواقع إعلامي يحتاج إلى إعادة تأسيس، يبقى التحدي الحقيقي: هل تتحول هذه الرؤية العامة إلى مشروع إصلاحي ملموس، أم تظل مجرد كلمات في لحظة رمزية عابرة؟!.
